Overblog Tous les blogs Top blogs Emploi, Enseignement & Etudes Tous les blogs Emploi, Enseignement & Etudes
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
Publicité

القضاء الإداري

دراسة لأسس ومبادئ القضاء الإداري في العراق

مقدمة عامة

إن وجود الإدارة طرفاً في العلاقة قانونية مع الأفراد، بما تتمتع به من سلطات وامتيازات كثيرة لاشك يؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتكاب الإدارة بعض الأخطاء عندما تصدر قراراتها دون روية أو على عجل، وقد يحدث أن تتجاهل الإدارة بعض القواعد القانونية التي سنها المشرع حفاظاً على مصلحة الأفراد.

ولما كانت الإدارة في اتصال مستمر مع الأفراد فقد تؤدي هذه الأخطاء إلى الأضرار بهم، ومن مقتضيات العدالة ومقوماتها أن تخضع الإدارة لحكم القانون وأن تكون كلمة القانون هي العليا، ولابد لذلك من تنظيم رقابة قضائية على أعمال الإدارة تضمن سيادة حكم القانون .

يقول الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في هذا المعنى : " أن من كان مظلوماً وكان خصمه قوياً كالإدارة، فلابد من ملاذ يلوذ به ويتقدم إليه بشكواه ولا شيء أكرم للإدارة وأحفظ لمكانتها من أن تنزل مع خصمها إلى ساحة القضاء تنصفه أو تنتصف منه وذلك أدنى إلى الحق والعدل وأبقى للهيبة والاحترام " .

وقد حمل القضاء الإداري على كاهله عبء تحقيق التوازن بين مقتضيات المصلحة العامة التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها وبين حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من عسف الإدارة إذا ما اعتدت على هذه الحقوق .

وقد مر القضاء الإداري بتاريخ طويل قبل أن يصل إلى ما هو عليه اليوم، فقد كانت الإدارة في فرنسا تتمتع بوظيفة مزدوجة فهي سلطة تنفيذية من جهة وقاضيه من جهة أخرى، فكانت الإدارة تسمو على غيرها من الحقوق، وبعد أن ظهر عجز الإدارة القاضية عن حماية الأفراد وحقوقهم وتحقيق المصلحة العامة، دعت الضرورة إلى إصلاح هذا الخلل وفي عام 1872 منح مجلس الدولة الفرنسي اختصاصاً قضائياً باتاً فأخذت قسمات القضاء الإداري تتضح إلا أن الإدارة بقيت تمارس بعض الاختصاصات حتى عام 1889 عندما أصبح مجلس الدولة صاحب الاختصاص في نظر المنازعات الإدارية.

وقد سار المشرع المصري على نهج المشرع الفرنسي منذ عام 1946 بإنشاء مجلس الدولة المصري أما في العراق فلم يأخذ المشرع بنظام ازدواجية حتى عام 1989 حيث أصبح الغراق من دول القضاء المزدوج بعد صدور قانون تعديل قانون مجلس شورى الدولة رقم 106لسنة 1989.

وقد أدى القضاء الإداري في العراق دوراً مهماً في مجال حسم المنازعات الإدارية رغم حداثة عهده ، ويتميز القضاء الإداري بدوره الكبير في إنشاء وخلق القواعد القانونية المتعلقة بنظام القانون العام على عكس القضاء العادي الذي يكتفي بتطبيق القواعد المحددة سلفاً.

وسنحاول في هذه الدراسة أن نلم بموضوع الرقابة على أعمال الإدارة من خلال تقسيمه ثلاثة أبواب: الأول خصصناه للبحث في مبدأ المشروعية أما الباب الثاني فتناولنا فيه نشأة القضاء الإداري وتنظيمه، بينما تعلق الباب الثالث بموضوع قضاء الإلغاء، وفق التفصيل التي:

الباب الأول: مبدأ المشروعية.

الفصل الأول: مصادر مبدأ المشروعية.

الفصل الثاني: موازنة مبدأ المشروعية.

الفصل الثالث: الرقابة على أعمال الإدارة.

الباب الثاني: نشأة القضاء الإداري وتنظيمه.

الفصل الأول: نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في فرنسا.

الفصل الثاني: نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في مصر.

الفصل الثالث: نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في العراق.

الباب الثالث: قضاء الإلغاء.

الفصل الأول: شروط قبول دعوى الإلغاء.

الفصل الثاني: أوجه الطعن بالإلغاء.

الفصل الثالث: إجراءات رفع دعوى الإلغاء والحكم فيها.

الباب الاول

مبـدأ المشروعيـة

مبـدأ المشروعيـة

يقصد بالمشروعية أن تخضع الدولة بهيائتها وأفرادها جميعهم لأحكام القانون وأن لا تخرج عن حدوده، ومن مقتضيات هذا المبدأ أن تحترم الإدارة في تصرفاتها أحكام القانون، و إلا عدت أعمالها غير مشروعة وتعرضت للبطلان.

والأساس الذي يقوم عليه المبدأ مرهون باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مختلف الدول.

وغالباً ما تتفق الدول على أن هذا الخضوع هو الذي يمنح تصرفاتها طابع الشرعية ويضعها في مصاف الدول القانونية وبخروجها عنه تصبح دولة بوليسية Etat de Police .([1])

ولابد للدولة القانونية من مقومات وعناصر طبيعية جوهرية ومن هذه العناصر:

  1. وجود دستور يحدد النظام ويضع القواعد الأساسية لممارسة السلطة في الدولة ويبين العلاقة بين سلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.
  2. خضوع الإدارة للقانون: ويقتضي ذلك عدم جواز إصدار الإدارة أي عمل أو قرار أو أمر من دون الرجوع لقانون وتنفيذاً لأحكامه.
  3. التقيد بمبدأ تدرج القواعد القانونية : ويستند ذلك إلى أن القواعد القانونية تتدرج بمراتب متباينة بحيث يسمو بعضها على البعض الآخر.
  4. تنظيم رقابة قضائية: لكي تكتمل عناصر الدولة القانونية لابد من وجود تنظيم للرقابة القضائية على أعمال مختلف السلطات فيها، وتقوم بهذه المهمة المحاكم على اختلاف أنواعها سواء أكانت عادية أم إدارية، تبعاً لطبيعة النظام القضائي المعمول به في الدولة كأن يكون نظام قضاء موحد أم نظام القضاء المزدوج.

ويمثل القضاء الإداري في الدول التي تعمل به ركيزة أساسية في حماية المشروعية وضمان احترام حقوق وحريات الأفراد من جور وتعسف الإدارة، ويتسم هذا القضاء بالخبرة والفاعلية في فض المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والإدارة لكونه ليس مجرد قضاء تطبيقي كالقضاء المدني وإنما قضاءً إنشائياً لا يتورع عن ابتداع الحلول المناسبة لتنظيم علاقة الإدارة بالأفراد في ظل القانون العام.

الفصل الأول

مصادر مبدأ المشروعية

إذا كانت الإدارة تلتزم باحترام القانون وتطبيقه، فأن المقصود بالقانون هنا القواعد القانونية جميعها أياً كان شكلها .

ومصادر المشروعية هي مصادر القانون ذاته كالدستور وما يلحق به من قيمة قانونية عليا كإعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير ثم يلي الدستور القوانين ثم القرارات الإدارية التنظيمية و الفردية والعرف والقضاء .

وسنقسم هذه المصادر إلى نوعين : المصادر المكتوبة والمصادر الغير مكتوبة .

المبحث الأول

المصادر المكتوبة

تشمل المصادر المكتوبة الدستور والتشريع العادي (القانون) والتشريعات الفرعية أي اللوائح الإدارية .

المطلب الأول: التشريعـات الدستوريـة

تعد التشريعات الدستورية أعلى التشريعات في الدولة وتقع في قمة الهرم القانوني وتسمو على القواعد القانونية الأخرى جميعاً فهي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها وعلاقته بالمواطنين وحقوق الأفراد وحرياتهم، والاختصاصات الأساسية لمختلف السلطات العامة في الدولة.

ومن ثم ينبغي أن تلتزم سلطات الدولة جميعها بالتقيد بأحكامه و إلا عدت تصرفاتها غير مشروعة، والإدارة بوصفها جهاز السلطة التنفيذية تلتزم بقواعد الدستور ولا يحق لها مخالفته في أعمالها إذ أن ذلك يعرض أعمالها للإلغاء والتعويض عما تسببه من أضرار . ([2])

والقواعد الدستورية لا يقصد بها مجموعة القواعد المكتوبة في وثيقة أو وثائق دستورية فحسب إذ من الممكن أن تكون تلك القواعد غير مكتوبة في ظل دستور عرفي يتمتع بسمو القواعد الدستورية المكتوبة ذاتها .

كذلك تتمتع إعلانات الحقوق وما تضمنته هذه الإعلانات من حقوق وحريات للأفراد بقوة النصوص الدستورية فلا يجوز مخالفتها .

المطلب الثاني: القانـــون

القوانين هي التشريعات التي تصدرها السلطة التشريعية في الدولة وهي صاحبة الاختصاص في ذلك، وتأتي هذه التشريعات في المرتبة الثانية بعد الدستور من حيث التدرج القانوني وتعد المصدر الثاني من مصادر المشروعية .

والإدارة بوصفها السلطة التنفيذية تخضع لأحكام القوانين فإذا خالفت حكم القانون أو صدر عمل إداري استناداً إلى القانون غير دستوري وجب إلغاء ذلك العمل .

والسلطة المختصة بإصدار القانون في العراق هي البرلمان باعتباره ممثلاً للإدارة العامة ويشترط في التشريعات التي يصدرها أن توافق أحكام الدستور وإلا كانت غير مشروعة وجديرة بالحكم بعد دستوريتها .

المطلب الثالث : اللوائح والأنظمة

اللوائح هي قرارات إدارية تنظيمية تصدرها السلطة التنفيذية وهي واجبة الاحترام من حيث أنها تمثل قواعد قانونية عامة مجردة تلي القانون في مرتبتها في سلم التدرج القانوني .

ومن ثم فإن هذه اللوائح أو الأنظمة هي بمثابة تشريعات من الناحية الموضوعية لأنها تتضمن قواعد قانونية عامة مجردة تخاطب مجموع الأفراد أو أفراداً معينين بصفاتهم لا ذواتهم، إلا أنها تعد قرارات إدارية من الناحية الشكلية لصدورها من السلطة التنفيذية .

ويمكن تصنيف اللوائح إلى عدة أنواع هي:

  1. اللوائح التنفيذية : وهي التي تصدرها الإدارة بغرض وضع القانون موضع التنفيذ، وهي تتقيد بالقانون وتتبعه، ولا تملك أن تعدل فيه أو تضف إليه أو تعطل تنفيذه.
  2. لوائح الضرورة : وهي اللوائح التي تصدرها السلطة التنفيذية في غيبة البرلمان أو السلطة التشريعية لمواجهة ظروف استثنائية عاجلة تهدد أمن الدولة وسلامتها، فتملك السلطة التنفيذية من خلالها أن تنظم أمور ينظمها القانون أصلاً ويجب أن تعرض هذه القرارات على السلطة التشريعية في أقرب فرصة لإقرارها.
  3. اللوائح التنظيمية : وتسمى أيضاً اللوائح المستقلة وهي اللوائح التي تتعدى تنفيذ القوانين إلى تنظيم بعض الأمور التي لم يتطرق إليها القانون فتقترب وظيفتها من التشريع .
  4. لوائح الضبط : وهي تلك اللوائح التي تصدرها الإدارة بقصد المحافظة على النظام العام بعناصره المختلفة، الأمن العام والصحة العامة و السكينة العامة، وهي مهمة بالغة الأهمية لتعلقها مباشرة بحياة الأفراد وتقيد حرياتهم لأنها تتضمن أوامر ونواهي وتوقع العقوبات على مخالفيها، مثل لوائح المرور وحماية الأغذية والمشروبات والمحال العامة .
  5. اللوائح التفويضية : وهي اللوائح التي تصدرها السلطة التنفيذية بتفويض من السلطة التشريعية لتنظيم بعض المسائل الداخلة أصلاً في نطاق التشريع ويكون لهذه القرارات قوة القانون سواء أصدرت في غيبة السلطة التشريعية أو في حالة انعقادها .

المبحث الثاني

المصادر غير المكتوبة

تشمل المصادر غير المكتوبة للمشروعية على المبادئ العامة للقانون والقضاء والعرف والإدارة .

المطلب الأول : المبادئ العامة للقانون

يقصد بالمبادئ العامة للقانون تلك المبادئ التي يستنبطها القضاء ويعلن ضرورة التزام الإدارة بها، والتي يكشف عنها القاضي من خلال الضمير القانوني العام في الدولة ويطبقها على ما يعرض عليه من منازعات .

والمبادئ العامة للقانون لا يشترط ورودها في نص قانوني مكتوب فقد تكون خارجة عنه يستخلصها القاضي من طبيعة النظام القانوني وأهدافه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقيم الدينية والثقافية السائدة في المجتمع .

وعلى الرغم من اختلاف الفقه حول القيمة القانونية التي تتمتع بها المبادئ العامة للقانون، فقد استقر القضاء على تمتع هذه المبادئ بقوة ملزمة للإدارة بحيث يجوز الطعن بإلغاء القرارات الصادرة عنها، وتتضمن انتهاكاً لهذه المبادئ والتعويض عن الأضرار التي تسببها الأفراد .

ومن المبادئ القانونية العامة التي استخلصها مجلس الدولة الفرنسي وأضحت قواعداً أساسية في القانون الإداري ونظام القانون العام : مبدأ سيادة القانون، ومبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية، ومبدأ المساواة أمام المرافق العامة، ومبدأ المساواة أمام التكاليف العامة، ومبدأ الحق في التقاضي، ومبدأ عدم المساس بالحقوق المكتسبة، ونظرية الظروف الاستثنائية .

والقضاء الإداري بهذا المعنى لا يخلق المبادئ العامة للقانون إنما يقتصر دوره على كشفها والتحقق من وجودها في الضمير القانوني للأمة، ولذلك فمن الواجب على الإدارة والقضاء احترامها والتقييد بها باعتبارها قواعد ملزمة شأنها في ذلك شأن القواعد المكتوبة .

المطلب الثاني : القضاء

الأصل في وظيفة القاضي تطبيق القوانين والفصل في المنازعات المعروضة أمامه، وهو ملزم قانوناً بالفصل في المنازعة الداخلة في اختصاصه و إلا اعتبر منكراً للعدالة، لذلك رسم المشرع للقاضي العادي الأسلوب الذي يسلكه لفض المنازعة إذا لم يجد في القواعد القانونية القائمة حلاً للمنازعة .

الأصل في وظيفة القاضي تطبيق القوانين والفصل في المنازعات المعروضة أمامه ، وهو ملزم قانوناً بالفصل في المنازعة الداخلة في اختصاصه وإلا اعتبر منكراً للعدالة ، لذلك رسم المشرع للقاضي الأسلوب الذي يسلكه لفض المنازعة إذا لم يجد في القواعد القانونية حلاً للمنازعة .

وعلى ذلك لا يعد القضاء مصدراً رسمياً للقانون لدوره المتعلق بتطبيق النصوص التشريعية وتفسيرها وإزالة غموضها وإزالة التعارض المحتمل بينها ، ولا يتعدى القاضي هذا الأمر ليصل إلى حد خلق قواعد قانونية خارج نصوص التشريع . ([3])

إلا أن الطبيعة الخاصة لقواعد القانون الإداري من حيث عدم تقنينه وظروف نشأته وتعدد مجالات نشاطه ، أدى إلى أن يتجاوز القضاء الإداري دور القضاء العادي ليتماشى مع متطلبات الحياة الإدارية فيعمد إلى خلق مبادئ وأحكام القانون الإداري ، فيصبح القضاء مصدر رسمي للقانون الإداري بل من أهم مصادرها الرسمية ، ويتعدى دوره التشريع في كثير من الأحيان .

وتتميز أحكام القضاء الإداري بعدم خضوعها للقانون المدني ، فالقاضي الإداري إذا لم يجد في المبادئ القانونية القائمة نصاً ينطبق على النزاع المعروض عليه يتولى بنفسه إنشاء القواعد اللازمة لذلك دون أن يكون مقيداً بقواعد القانون المدني .

ومن جانب آخر أن أحكام القضاء العادي ذات حجية نسبية تقتصر على أطراف النزاع وموضوعه ولهذا تحدد قيمتها بوصفها مصدراً تفسيراً على النقيض من أحكام القضاء الإداري التي تتميز بكونها حجة على الكافة .

وفي ذلك يتبين أن للقضاء دوراً إنشائياً كبيراً في مجال القانون الإداري ومن ثم فهو يشكل مصدراً رئيسياً من مصادر المشروعية .

أما بالنسبة للقضاء الإداري فأن أحكامه تتميز بعدم خضوعها للقانون المدني، فالقاضي الإداري إذا لم يجد في المبادئ القانونية القائمة نصاً ينطبق على النزاع المعروض عليه يتولى بنفسه إنشاء القواعد اللازمة لذلك دون أن يكون مقيداً بقواعد القانون المدني فهو قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة التي تتفق وطبيعة روابط القانون العام واحتياجات المرافق العامة، ومقتضيات حسن سيرها واستدامتها والتي تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص .

ومن جانب آخر أن أحكام القضاء العادي ذات حجية نسبية تقتصر على أطراف النزاع وموضوعه ولهذا تحدد قيمتها بوصفها مصدراً تفسيرياً على النقيض من أحكام القضاء الإداري التي تتميز بكونها حجة على الكافة .

المطلب الثالث : العرف الإداري

العرف الإداري هو مجموعة القواعد التي درجت الإدارة على إتباعها في أداء وظيفتها في مجال معين من نشاطها وتستمر فتصبح ملزمة لها وتعد مخالفتها مخالفة للمشروعية تؤدي إلى إبطال تصرفاتها بالطرق المقررة قانوناً .

ويأتي العرف الإداري في مرتبة أدنى من مرتبة القواعد القانونية المكتوبة مما يستلزم إلا يخالف نصاً من نصوص القانون، فهو مصدر تكميلي للقانون يفسر ويكمل ما نقص منه .

ويتبين من ذلك أن العرف الإداري يتكون من عنصرين : عنصر معنوي يتمثل في شعور الأفراد والإدارة بأن القاعدة التي سلكتها في تصرفاتها أصبحت ملزمة قانوناً، وعنصر مادي يتمثل في الاعتياد على الأخذ بتلك القاعدة بشكل منتظم ومستمر بشرط أن يتبلور ذلك بمضي الزمن الكافي لاستقرارها .

ومع ذلك فأن التزام الإدارة باحترام العرف لا يحرمها من أمكان تعديله أو تغييره نهائياً إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، فالإدارة تملك تنظيم القاعدة التي يحكمها العرف بيد أن قيام العرف الجديد يتطلب توفر العنصرين السابقين فلا يتكون بمجرد مخالفة الإدارة للعرف المطبق .([4])

أما إذا خالفت الإدارة العرف في حالة فردية خاصة دون أن تستهدف تعديله أو تغييره بدافع المصلحة العامة فأن قرارها أو إجراءها المخالف للعرف يكون باطلاً لمخالفته مبدأ المشروعية .([5])

ويلزم لوجود العرف الإداري إلا يخالف نصاً مكتوباً، فإذا خالفت الإدارة في مسلكها نصاً قانونياً، فلا يجوز القول بوجود عرف إداري أو التمسك به.

والعرف الإداري يعد مصدراً للقواعد القانونية في المجال الإداري إلا أنه لا يجوز اللجوء إليه إلا إذا لم يجد القاضي الإداري في نصوص القوانين واللوائح ما يمكن تطبيقه لحل النزاع، ويمكن القول بان دور العرف الإداري أقل أهمية في مجال القانون الإداري منه في مجال القانون الخاص، على اعتبار أن تكوينه يتطلب فترة طويلة من الثبات والاستقرار في حين تتطور أحكام القانون الإداري وتتغير باستمرار.

الفصل الثاني

موازنة مبدأ المشروعية

إذا كان احترام حقوق الأفراد وحرياتهم يقتضي وجود قواعد صارمة تمنع الإدارة من الاعتداء على مبدأ المشروعية، فأن حسن سير المرافق العامة واستمرار أداء الإدارة وظيفتها يقتضيان منحها من الحرية ما يساعدها في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب توخياً للمصلحة العامة .

لذلك اعترف المشرع والقضاء والفقه ببعض الامتيازات التي تملكها الإدارة وتستهدف موازنة مبدأ المشروعية وهي:

  • السلطة التقديرية .
  • الظروف الاستثنائية .
  • أعمال السيادة .

المبحـث الأول

السلطة التقديريـة

تمارس الإدارة نشاطها بأتباع أسلوبين : الأول أن تمارس اختصاصاً مقيداً وفيه يحدد المشرع الشروط لاتخاذ قراراها مقدماً . مثلما هو الحال في ترقية موظف بالأقدمية فقط فإذا ما توفرت هذه الأقدمية فأن الإدارة مجبرة على التدخل وإصدار قرارها بالترقية.

والأسلوب الثاني يتمثل بممارسة الإدارة اختصاصاً تقديرياً إذ يترك المشرع للإدارة حرية اختيار وقت وأسلوب التدخل في إصدار قراراتها تبعاً للظروف ومن دون أن تخضع للرقابة .

فالمشرع يكتفي بوضع القاعدة العامة التي تتصف بالمرونة تاركاً للإدارة تقدير ملائمة التصرف، شريطة أن تتوخى الصالح العام في أي عمل تقوم به وأن لا تنحرف عن هذه الغاية وإلا كان عملها مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة . ([6])

إلا أن حرية الإدارة غير مطلقة في هذا المجال فبالإضافة إلى أنها مقيدة باستهداف قراراتها المصلحة العامة تكون ملزمة بإتباع قواعد الاختصاص والشكلية المحددة قانوناً، بينما تنصرف سلطتها التقديرية إلى سبب القرار الإداري وهو الحالة الواقعية والقانونية التي تبرر اتخاذ القرار والمحل وهو الأثر القانوني المترتب عنه حالاً ومباشرة، فهنا تتجلى سلطة الإدارة التقديرية . ([7])

وقد منح المشرع للإدارة هذه السلطة شعوراً منه بأنها أقدر على اختيار الوسائل المناسبة للتدخل واتخاذ القرار الملائم في ظروف معينة لأنه مهما حاول لا يستطيع أن يتصور جميع الحالات التي قد تطرأ في العمل الإداري ويرسم الحلول المناسبة لها، فالسلطة التقديرية ضرورة لحسن سير العملية الإدارية وتحقيق غاياتها

القضاء والسلطة التقديرية:

إذا كانت السلطة التقديرية استثناءً من مبدأ المشروعية، فما دور القضاء في الرقابة على أعمال الإدارة الصادرة استناداً إلى هذه السلطة ؟ .

ذهب جانب من الفقه إلى أن القضاء يمتنع عن بسط رقابته على أعمال الإدارة المستندة إلى سلطتها التقديرية، فالقاضي بحسب رأيهم يمارس رقابة المشروعية وليس رقابة الملائمة ولا يجوز له أن يمارس سطوته على الإدارة فيجعل من نفسه رئيساً للسلطة الإدارية . ([8])

في حين ذهب جانب آخر من الفقه إلى جواز تدخل القاضي لمراقبة السلطة التقديرية على أساس ما يتمتع به القاضي الإداري من دور في الكشف عن قواعد القانون الإداري فيمكن له أن يحول بعض القضايا المندرجة في السلطة التقديرية والمرتبطة بالملائمة إلى قضايا تندرج تحت مبدأ المشروعية تلتزم الإدارة بأتباعها و إلا تعرضت أعمالها للبطلان . ([9])

والرأي الأكثر قبولاً في هذا المجال يذهب إلى أن سلطة الإدارة التقليدية لا تمنع من رقابة القضاء وإنما هي التي تمنح الإدارة مجالاً واسعاً لتقدير الظروف الملائمة لاتخاذ قراراتها وهذه الحرية مقيدة بان لا تتضمن هذه القرارات غلطاً بيناً أو انحرافاً بالسلطة، وهي بذلك لا تتعارض مع مبدأ المشروعية بقدر ما تخفف من اختصاصات الإدارة المقيدة .

المبحث الثاني

الظروف الاستثنائية

تواجه الإدارة في بعض الأوقات ظروفاً استثنائية تجبرها على اتخاذ بعض الإجراءات التي تعد غير مشروعة في الظروف العادية حماية للنظام العام وحسن سير المرافق العامة فتضفي على إجراءاتها تلك صفة المشروعية الاستثنائية .

وعلى ذلك فأن الظرف الاستثنائي أياً كانت صورته حرباً أو كوارث طبيعية لا يجعل الإدارة في منأى من رقابة القضاء بشكل مطلق، فلا يعدو الأمر أن يكون توسعاً لقواعد المشروعية تأسيساً على مقولة " الضرورات تبيح المحظورات " .

فالإدارة تبقى مسئولة في ظل الظروف الاستثنائية على أساس الخطأ الذي قد يقع منها، غير أن الخطأ في حالة الظروف الاستثنائية يقاس بمعيار آخر ويوزن بميزان مغاير لذلك الذي يوزن به في ظل الظروف العادية، فيستلزم القضاء فيه أكبر من الجسامة . ([10])

وتستمد نظرية الظروف الاستثنائية وجودها من القضاء الإداري، غير أن المشرع قد تدخل مباشرة في بعض الحالات لتحديد ما إذا كان الظرف استثنائياً أم لا . وهو يمارس ذلك بأتباع أسلوبين: الأول: أن يستصدر قوانين تنظم سلطات الإدارة في الظروف الاستثنائية بعد وقوعها، ويتسم هذا الأسلوب بحماية حقوق الأفراد وحرياتهم لأنه يحرم السلطة التنفيذية من اللجوء إلى سلطات الظروف الاستثنائية إلا بعد موافقة السلطة التشريعية، ويعيبه أن هناك من الظروف ما يقع بشكل مفاجئ لا يحتمل استصدار تلك التشريعات بالإجراءات الطويلة المعتادة . ([11])

اما الاسلوب الثاني فيتمثل في اعداد تشريعات معدة سلفا لمواجهة الظروف الاستثنائية.ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من عيوب تتمثل في احتمال إساءة الإدارة سلطتها في إعلان حالة الظروف الاستثنائية في غير وقتها والاستفادة مما يمنحه لها المشرع من صلاحيات في تقييد حريات الأفراد وحقوقهم .

وقد أخذ المشرع الفرنسي بالأسلوب الأخير إذ منحت المادة السادسة عشر من دستور الجمهورية الخامسة الصادر عام 1958 رئيس الجمهورية الفرنسية سلطات واسعة من أجل مواجهة الظروف الاستثنائية .

وكذلك فعل المشرع االعراقي حيث حدد المشرع العراقي هذه الحالات في قانون السلامة الوطنية رقم 4 لسنة 1965 فيما يلي :

1-اذا حدث خطر من غارة عدائية او اعلنت الحرب او قامت حالة حرب او اية حالة تهدد بوقوعها .

2-اذا حدث اضطراب خطير في الامن العام اوتهديد خطير له .

3-اذا حدث وباء عام او كارثة عامة .

كذلك اصدر المشرع امر قانون الدفاع عن السلامة الوطنية رقم (1) لسنة 2004 الذي خول رئيس الوزراء بعد موافقة هيئة الرئاسة بالاجماع اعلان حالة الطوارىء في اية منطقة من العراق عند تعرض الشعب العراقي لخطر حال جسيم يهدد الافراد في حياتهم ، وناشىء من حمله مستمرة للعنف ، من أي عدد من الاشخاص لمنع تشكيل حكومة واسعة التمثيل في العراق او تعطيل المشاركة السياسية السلمية لكل العراقيين او أي غرض اخر.

القضاء الإداري ونظرية الظروف الاستثنائية:

يمارس القضاء الإداري دوراً مهماً في تحديد معالم نظرية الظروف الاستثنائية، ويضع شروط الاستفادة منها ويراقب الإدارة في استخدام صلاحياتهم الاستثنائية حماية لحقوق الأفراد وحرياتهم، وهذه الشروط هي:

  1. وجود ظرف استثنائي يهدد النظام العام وحسن سير المرافق العامة سواء تمثل هذا الظرف بقيام حرب أو اضطراب أو كارثة طبيعية .
  2. أن تعجز الإدارة عن أداء وظيفتها باستخدام سلطاتها في الظروف العادية، فتلجأ لاستخدام سلطاتها الاستثنائية التي توافرها هذه النظرية .
  3. أن تحدد ممارسة السلطة الاستثنائية بمدة الظرف الاستثنائي فلا يجوز الإدارة أن تستمر في الاستفادة من المشروعية الاستثنائية مدة تزيد على مدة الظرف الاستثنائي .
  4. أن يكون الإجراء المتخذ متوازناً مع خطورة الظرف الاستثنائي وفي حدود ما يقتضه . ([12])

وللقضاء الإداري دور مهم في الرقابة على احترام الإدارة لهذه الشروط وهو يميز هذه النظرية عن نظرية أعمال السيادة التي تعد خروجاً على المشروعية ويمنع القضاء من الرقابة على الأعمال الصادرة استناداً إليها . كما تتميز عن نظرية السلطة التقديرية للإدارة التي يكون دور القضاء في الرقابة عليها محدوداً بالمقارنة مع رقابته على أعمال الإدارة في الظروف الاستثنائية .

فالقاضي في هذه الظروف يراقب نشاط الإدارة لا سيما من حيث أسباب قرارها الإداري والغاية التي ترمي إليها الإدارة في اتخاذه ولا يتجاوز في رقابته إلى العيوب الأخرى، الاختصاص والشكل والمحل وهو ما استقر عليه القضاء الإداري في العديد من الدول . ([13])

المبحث الثالث

نظرية أعمال السيـادة

اختلف الفقه والقضاء في تعريف أعمال السيادة، وهي في حقيقتها قرارات إدارية تصدر عن السلطة التنفيذية وتتميز بعدم خضوعها لرقابة القضاء سواء أكان بالإلغاء أو بالتعويض . ([14])

وهي بذلك تختلف عن نظريتي السلطة التقديرية والظروف الاستثنائية التي لا تعمل إلا على توسيع سلطة الإدارة فهي تعد كما يذهب جانب من الفقه خروجاً صريحاً على مبدأ المشروعية .

وقد نشأت أعمال السيادة في فرنسا عندما حاول مجلس الدولة الفرنسي أن يحتفظ بوجوده في حقبة إعادة الملكية إلى فرنسا عندما تخلى عن الرقابة على بعض أعمال السلطة التنفيذية . ([15])

وقد استلهم المشرع العراقي في قانون السلطة القضائية رقم (26) لسنة 1963 (الملغي) نظرية اعمال السيادة و قد اصبح لها مصدرا تشريعيا في العراق حيث نصت المادة (4) منه على أن (ليس للمحاكم أن تنظر في كل ما يعتبر من أعمال السيادة) واخذ بالحكم ذاته قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 حيث نص في مادته العاشرة على انه (لا ينظر القضاء في كل ما يعتبر من أعمال السيادة).

وعند صدور القانون رقم (106) لسنة 1989 وهو قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 نص في مادته السابعة البند خامساً على ما يأتي (لا تختص محكمة القضاء الإداري بالنظر في الطعون المتعلقة بما يأتي :

1-أعمال السيادة وتعتبر من أعمال السيادة المراسيم والقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية). ويبدو أن المشّرع لم يكتفِ بالنص على أعمال السيادة إبل اعتبر المراسيم والقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية من قبيل اعمال السيادة ولا يخفى مالهذا التوجه من خطوره على اعتبار ان اغلب مايصدر من رئيس الجمهورية هو قرارات إدارية لايمكن تحصينها من رقابة القضاء واذا هذا الوضع كان يجد من يبرره في دوله تتبع النظام الشمولي في الحكم والاداره فأن الصلاحيات التي يمارسها رئيس الجمهوريه والقرارات التي يصدرها في ظل دستور العراق الحالي لايمكن اعتبارها بشكل من الاشكال من قبيل أعمال السيادة. مما يقتضي تعديل المادة السابعة البند خامساً والغاء هذا الاستثناء من رقابة القضاء الاداري . وهو ما ينسجم مع توجه المشرع الدستوري العراقي في الدستور الصادر عام 2005 حيت ورد النص في الماده 97 (يحظر النص في القوانين على تحصين اي عمل او قرار اداري من الطعن.)

ومع أن المشرع في العراق قد نص على وجود ما يسمى بأعمال السيادة إلا أنه آثر عدم وضع تعريف محدد لها على غرار التشريعات الأخرى، وترك ذلك إلى القضاء والفقه، ولاشك أن ضرورة وضع معيار لتمييز أعمال السيادة عن سائر أعمال الإدارة يحظى بأهمية خاصة، لأن إطلاق صفة عمل السيادة على تصرف إداري معين يمنحه حصانة من الرقابة القضائية .

ولا يخفى ما لهذا الأمر من تهديد لحقوق الأفراد وحرياتهم، وقد ظهر في سبيل هذا التمييز ثلاثة معايير نبينها فيما يلي :

المطلب الأول: معيار الباعث السياسي

معيار الباعث السياسي هو المعيار الذي اعتمده مجلس الدولة الفرنسي للأخذ بنظرية أعال السيادة و ويعد حكم مجلس الدولة في قضية Le Fitte الصادر في 1/5/1822 حجر الأساس في اعتماد هذا المعيار . ([16])

وبمقتضاه يعد العمل من أعمال السيادة إذا كان الباعث عليه سياسياً، أما إذا لم يكن الباعث سياسياً فإنه يعد من الأعمال الإدارية التي تخضع لرقابة القضاء . ([17])

وقد أخذ مجلس الدولة بهذا المعيار ليتلافى الاصطدام مع الإدارة لأنه معيار مرن يتيح للإدارة التخلص من رقابة القضاء بمجرد تذرعها بأن الباعث على تصرفها سياسي .

إلا أن المجلس عدل عن هذا المعيار نتيجة لكثرة الانتقادات الموجهة له، وذلك في حكمه بتاريخ 19/2/1875 في قضية Prince Napoleon . ([18]) وحكم محكمة التنازع في 5/11/1880 في قضية Marquigny . ([19])

المطلب الثاني : معيار طبيعة العمل

نتيجة لما وجه إلى معيار الباعث السياسي من نقد لجأ الفقه والقضاء إلى اعتماد طبيعة العمل ومفهومه لتمييز عمل السيادة عن أعمال الإدارة الأخرى . وفي سبيل ذلك ظهرت ثلاثة اتجاهات :

1- الاتجاه الأول:

ذهب الاتجاه الأول إلى التمييز بين العمل الإداري والعمل الحكومي إذ عد العمل حكومياً إذا قصد به تحقيق مصلحة الجماعة السياسية كلها والسهر على احترام دستورها، وسير هيئاتها العامة والإشراف على علاقاتها مع الدول الأجنبية وعلى أمنها الداخلي، وهذا النوع من الأعمال يندرج في ضمن أعمال السيادة ويمتنع عن رقابة القضاء، أما النوع الأخر الذي يتعلق بالتطبيق اليومي للقوانين والأشراف على علاقات الأفراد بالإدارة المركزية أو المحلية، وعلاقات الهيئات الإدارية، بعضها بالبعض الأخر فيندرج في ضمن أعمال الإدارة الاعتيادية التي تخضع لرقابة القضاء.([20]) وفي هذا التمييز يذهب الفقيه " هوريو " إلى أن المهمة الحكومية تنحصر في وضع الحلول للأمور الاستثنائية والسهر على تحقيق مصالح الدولة الرئيسية أما الوظيفة الإدارية فتتركز في تسيير المصالح الجارية للجمهور . ([21])

2- الاتجاه الثاني:

ذهب هذا الاتجاه إلى أن أعمال السيادة أو الحكومة هي الأعمال التي تستند إلى نصوص دستورية أما الأعمال الإدارية فتستند إلى نص تشريعي عادي أو قرارات تنظيمية.([22]) ولا يخفى ما لهذا الاتجاه من خطورة لأنه يمنح الإدارة فرصة استغلال الدستور لإدخال الكثير من أعمالها في ضمن مجال أعمال السيادة لا سيما أن الدستور يتضمن أموراً هي في الغالب ذات طبيعة إدارية بحتة كالنصوص الخاصة بتعيين بعض الموظفين في حين تخرج بعض الأعمال من نطاق أعمال السيادة برغم طبيعتها الحكومية لا لشيء إلا لأن الدستور لم ينص عليها صراحة.

3- الاتجاه الثالث:

نتيجة لعجز الاتجاهين السابقين عن التمييز بين أعمال الحكومة والأعمال الإدارية الأخرى اتجه الفقه نحو أسلوب يقوم على تعريف أعمال الحكومة بأنها تلك الأعمال التي تصدر عن السلطة التنفيذية بخصوص علاقاتها بسلطة أخرى كالسلطة التشريعية أو سلطة دولة أخرى لا تخضع أعمالها لمراقبة القضاء. وقد أبز هذا المعيار مفوض الدولة " سيلييه Celier " ويعتمد رأيه على أساس أن الأعمال الحكومة لا تخضع لرقابة القضاء الإداري بوصف القاضي الإداري قاضي السلطة التنفيذية، ولما كانت السلطة التقديرية لا تخضع لرقابته، فإن أي قرار صادر عن السلطة التنفيذية ويمتد أثره إلى السلطة التشريعية يخرج عن رقابة القضاء. ومن جانب أخر يتصف القاضي الإداري بأنه قاضي وطني لا دولي ومن غير المعقول أن تمتد رقابته لتشمل سلطة دولية وعلى ذلك فأن القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية بصدد علاقاتها مع سلطة أجنبية تخرج عن رقابة القضاء الإداري أيضاً.([23])

وأياً كان الاتجاه فأن التمييز بين أعمال الحكومة وأعمال الإدارة العادية بقى غير معتد به ويفتقر إلى أساس قانوني واضح مما دفع بالفقه إلى البحث عن معيار آخر يقوم على أساس حصر أعمال السيادة وهو المعيار الشائع في الوقت الحاضر .

المطلب الثالث : معيار القائمة القضائية

اتجه الفقهاء إلى اعتماد الاتجاه القضائي لتحديد ما يعد من أعمال السيادة لعجزهم عن وضع معيار لتمييز أعمال السيادة بشكل واضح .

ولعل أول من نادى بهذه الفكرة العميد " هوريو " الذي ذهب إلى أن " العمل الحكومي هو كل عمل يقرر له القضاء الإداري وعلى رأسه محكمة التنازع هذه الصفة".([24])

وبناءً على ذلك فأن تحديد أعمال السيادة يعتمد ما يقرره القضاء فهو يبين هذه الأعمال ويحدد نطاقها، وقد أسهم مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة التنازع في وضع قائمة لأعمال السيادة تتضمن مجموعة من الأعمال أهمها :

أولاً- الأعمال المتعلقة بعلاقة الحكومة بالبرلمان:

وتشمل قرارات السلطة التنفيذية المتعلقة بالعملية التشريعية كاقتراح مشروع قانون وإيداع هذا المشرع أو سحبه، وكذلك القرارات الخاصة بانتخاب المجالس النيابية والمنازعات الناشئة عنها، قرارات رئيس الجمهورية المتعلقة بالعلاقة بين السلطات الدستورية وممارسة الوظيفة التشريعية مثل قرار اللجوء إلى السلطات الاستثنائية المنصوص عليها في المادة 16 من دستور عام 1958 الفرنسي، والمرسوم بطرح مشروع قانون للاستفتاء . ([25])

ثانياً- الأعمال المتصلة بالعلاقات الدولية والدبلوماسية:

فقد عد مجلس الدولة من قبيل أعمال السيادة القرارات المتعلقة بحماية ممتلكات الفرنسيين في الخارج ([26])، ورفض عرض النزاع على محكمة العدل الدولية ([27])، وكذلك الأعمال المتعلقة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية . ([28])

ثالثاً- الأعمال المتعلقة بالحرب:

ومن هذه الأعمال حق الدولة في الاستيلاء على السفن المحايدة الموجودة في المياه الإقليمية وقت الحرب،([29]) وكذلك الأوامر الصادرة بتغيير اتجاه السفن أو الحجز عليها أو على ما تحمله من بضائع.([30])

وعموماً فأن القاسم المشترك بين هذه الأعمال يتمثل في تحصينها من رقابة القضاء إلغاءً وتعويضاً، وعلى ذلك فقد اعتبرها الفقه الإداري ثغرة في بناء المشروعية، وحول القضاء رأب هذا الصدع من خلال الاتجاه نحو تضييق نطاق أعمال السيادة وإخراج بعض الأعمال ذات الطبيعة الإدارية منها، كذلك اتجه مجلس الدولة الفرنسي إلى التخفيف من أثر أعمال السيادة فقرر إمكان التعويض عنها .

فقد قرر المجلس بتاريخ 30/3/1966 بأن الأضرار الناجمة عن حوادث توصف بأنها حوادث الحرب تفتح للمضرور حقاً في التعويض تتحمله الدولة استناداً إلى نصوص لها قوة القانون . ([31])

ويبدو ان القضاء في العراق قد اتبع هذا الاسلوب في تحديد اعمال السيادة فقد قضت محكمة التميز في حكمها الصادر في 6/5/1966 (… فانه وان كانت أعمال السيادة حسبما جرى الفقه والقضاء من أنها تلك الأعمال التي تصدر من الحكومة باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة فتباشرها بمقتضى هذه السلطة العليا لتنظيم علاقتها بالسلطات الأخرى داخلية كانت أو خارجية أو تتخذها اضطراراً للمحافظة على كيان الدولة في الداخل أو في الذود عن سيادتها في الخارج إما لتنظيم علاقات الحكومة بالسلطة العامة وإما لدفع الأذى عن الدولة في الداخل أو في الخارج وهي تارة أعمالا منظمة لعلاقة الحكومة بالمجلس الوطني أو مجلس الدفاع وهي طوراً تكون تدابير تتخذ للدفاع عن الأمن العام من اضطراب داخلي بإعلان الأحكام العرفية أو إعلان حالة الطوارئ …)([32]) . فالمحكمة بعد أن قسمت أعمال الحكومة إلى أعمال الإدارة العادية وأعمال تتخذها بصفتها سلطة حكم لتنظيم علاقاتها بالسلطات الأخرى أو علاقاتها الخارجية أو تتخذها اضطراراً للمحافظة على كيان الدولة، نجد أن المحكمة تعود وتفصل هذه الأعمال من خلال إيراد قائمة بالأعمال التي تعد من قبيل أعمال السيادة .

الفصل الثالث

الرقابة على أعمال الإدارة

مما لاشك فيه أن الإدارة في قيامها بأداء وظيفتها تملك أن تتقص من بعض حقوق الأفراد وحرياتهم، وحقها هذا لا يمكن تركه دون ضابط يرسم الحدود التي لا تتجاوزها مما يعرض تصرفاتها للبطلان .

ويفرض هذا المبدأ وجود وسائل وأجهزة تراقب عمل الإدارة، وتختلف هذه الأجهزة باختلاف الدولة والنظم القانونية المتبعة فيها إلا أن المستقر في اغلب الدول وجود أربعة طرق يضمن من خلالها الأفراد مشروعية أعمال الإدارة في مواجهتهم وهي:

  • الرقابة السياسية.
  • الرقابة الإدارية .
  • رقابة الهيئات المستقلة.
  • الرقابة القضائية .

المبحث الأول

الرقابة السياسية

تتخذ الرقابة السياسية على أعمال الإدارة صوراً مختلفة، فقد تتم عن طريق الرأي العام وتمارسها المؤسسات الاجتماعية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية . كما قد تمارس عن طريق المؤسسات البرلمانية.

المطلب الأول: الرقابة عن طريق الرأي العام

يراد بمصطلح الرأي العام مجموعة الآراء التي تسود مجتمع معين في وقت ما بخصوص موضوعات معينة تتعلق بمصالحهم العامة والخاصة . ([33])

ويشترك في تكوين الرأي العام مختلف الهيئات و التنظيمات الشعبية والنقابية والحزبية عن طريق طرح أفكارها واتجاهاتها والدعوة إليها بمختلف الوسائل التي تؤدى الصحافة والوسائل السمعية والبصرية دوراً كبيراً في نشرها وتعبئة الرأي العام وتوجيهه من خلالها .

ومن الواضح ان هذا النوع من الرقابة له الأثر البالغ في تنظيم أعمال الإدارة ومنعها من التعسف في استعمال السلطة في العراق لاسيما الصحافة التي تمارس حرية التعبير والرأي باعتبارها لسان الأمة والمعبرة عنها، والتي غالباً ما كشفت عن بعض التجاوزات من موظفي الإدارة العامة.

غير إن هذا الطريق من طرق الرقابة لا يتسع تأثيره إلا في الدول التي تكفل حرية التعبير عن طريق الرأي العام و التي يبلغ فيها الرأي العام من النضج ما يؤهله القيام بواجب الرقابة وعدم الخضوع لمصالح فئات معينة تسخر الإرادة الشعبية و الرأي العام لتحقيق أهدافها و مصالحها الخاصة فتفقد بذلك حقيقة تعبيرها عن المصلحة العامة .

ويشترك في تكوين الرأي العام مختلف الهيئات والتنظيمات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني والاحزاب عن طريق طرح افكارها والدعوة اليها في مختلف الوسائل التي تؤدي الصحافة والوسائل السمعية والبصرية دوراً كبيراً في نشرها وتعبئة الجماهير وتوجيههم من خلالها.

1- مؤسسات المجتمع المدني

برز مفهوم المجتمع المدني في اطار افكار ورؤى بعض المفكرين والفلاسفة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر والتي تعتمد افكارهم اساساً على ان الانسان يستمد حقوقه من الطبيعة لا من قانون يضعه البشر وهذه الحقوق لصيقة به تثبت بمجرد ولادته. وان المجتمع المتكون من اتفاق المواطنين قد ارتأى طواعية الخروج من الحالة الطبيعية ليكون حكومة نتيجة عقد اجتماعي اختلفوا في تحديد اطرافه.

والمفهوم المستقر للمجتمع المدني يقوم على اساس انه مجموعة المؤسسات والفعاليات والانشطة التي تحتل مركزاً وسطياً بين العائلة باعتبارها الوحدة الاساسية التي ينهض عليها البنيان الاجتماعي والنظام القيمي في المجتمع من ناحية والدولة ومؤسساتها واجهزتها ذات الصبغة الرسمية من جهة اخرى([34]).

وبهذا المعنى فان منظمات المجتمع المدني تساهم بدور مهم في ضمان احترام الدستور وحماية حقوق الافراد وحرياتهم وتمثل الاسلوب الامثل في احداث التغيير السلمي والتفاهم الوطني مع السلطة في سبيل تعزيز الديمقراطية وتنشئة الافراد على اصولها وآلياتها. فهي الكفيلة بالارتقاء بالفرد وبث الوعي فيه وتعبئة الجهود الفردية والجماعية للتأثير في السياسات العامة وتعميق مفهوم احترام الدستور وسيادة القانون.

ومن الجدير بالذكر ان العراق قد اهمل دور هذه المؤسسات في وقت سيطرت فيه السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية اعتباراً من تأسيس الدولة العراقية وصدور القانون الاساسي العراقي عام 1925 رغم ما منحه هذا الدستور من ضمانات في تأسيسها.

ومن ذلك ما ورد في نص المادة (26) من القانون الاساسي التي منحت الملك حق تقييد الحريات بمراسيم اثناء عطلة البرلمان او فضه او حله وكان. لاسيما المرسوم رقم (19) الصادر في ايلول عام 1954 الذي الغت فيه الحكومة كافة الجمعيات والنوادي ودور التمثيل المجازة في العراق في ذلك الوقت والذي بلغ عددها (468) جمعية وناد في كافة انحاء العراق .

واستمر الوضع على ما هو عليه في ظل النظام الجمهوري رغم ما تحويه الدساتير الجمهورية من ضمانات تأسيس هذه المؤسسات. غير إنه وبعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 دخل العراق مرحلة جديدة انتشرت فيه مؤسسات المجتمع المدني غير ان انتشارها لم ينعكس بقوة على المجال السياسي ولعل ذلك عائداً الى عدم النضج والوعي اللازمين لادارتها.

فقد اورد دستور جمهورية العراق الحالي في المادة (39) منه:(( اولاً:- حرية تأسيس الجمعيات والاحزاب السياسية او الانضمام اليها مكفولة وينظم ذلك القانون. ثانياً:- لا يجوز اجبار احد على الانضمام الى أي حزب او جمعية او جهة سياسية او اجباره على الاستمرار في العضوية فيها )).

2- وسائل الاعلام.

تلعب وسائل الاعلام دوراً سياسياً مهماً يساهم في تعبئة الرأي العام الشعبي من خلال كتابات واقوال المفكرين والصحف والفضائيات المرأية والمسموعة والاجتماعات والندوات التي تساهم في اطلاع الجماهير على المشاكل الاكثر إلحاحاً والتي يتعرض لها المجتمع وتكون مراقب جماعي لصالح الشعب من خلال انتقاد سياسات الحكام وكشف فضائحهم وفسادهم وانتهاكهم لسيادة القانون.

3- الاحزاب السياسية.

من اساسيات العمل الديمقراطي ان تسعى الاحزاب السياسية الى تحقيق الاتصال الجماهيري. فالدور الاساسي الذي تقوم به الاحزاب السياسية هو السعي للحصول على تأييد الافراد لبرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعد بتنفيذها اذا ما وصلت الى السلطة عبر الانتخاب. وحتى تحقيق ذلك تبقى الاحزاب مراقبة لعمل الاداره لضمان احترامها للدستور وسيادة القانون.

ومن الجدير بالذكر ان هذه الفرصة لم تتح للاحزاب السياسية في العراق فقد ضمن القانون الاساسي العراقي لعام 1925 التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة ولم تكن الاحزاب السياسية باحسن حالاً في ظل النظام الجمهوري رغم ما حققته ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 من منجزات عن طريق منح الاحزاب السياسية حرية العمل وتشكيل حكومة ائتلافية ضمت كافة الاحزاب الوطنية القائمة.

اذ ان الواقع العملي لطبيعة النظام السياسي في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى عام 2003 يخلو من ضمانة وجود احزاب سياسية قوية ومعارضة، قادرة على مراقبة السلطة وردها الى الصواب اذا ما انحرفت عنه احتراماً للدستور وحقوق وحريات الافراد.

المطلب الثاني : الرقابة عن طريق البرلمان .

يتمثل هذا الطريق من الرقابة برقابة البرلمان على أعمال السلطة التنفيذية وذلك عن طريق الشكاوى المقدمة من الأفراد و المتظمنة طلباتهم التي قد يجد البرلمان أنها علي قدر من الوجاهة مما يدعو إلى مواجهة الوزراء بحق السؤال أو الاستجواب أو سحب الثقة من الوزارة كلها.([35])

ويتحدد شكل الرقابة البرلمانية بما هو مرسوم في الدستور، وهي تختلف من دولة إلى أخرى وتكون الرقابة البرلمانية أقوى في النظم النيابية منها في النظم الأخرى، حيث تكون الوزارة مسؤولة أمام البرلمان مسؤولية تضامنية ناهيك عن المسؤولية الفردية لكل وزير عن أعمال وزارته .

وقد كفل الدستور العراقي رقابة البرلمان على أعمال الحكومة احتراماً لمبدأ المشروعية عن طريق توجيه السؤال حول أمر يجهله أحد النواب ، فقد اجاز لخمسة وعشرين عضواً في الاقل من مجلس النواب طرح موضوع عام للمناقشة لاستيضاح سياسة واداء مجلس الوزراء، ولعضو مجلس النواب وبموافقة خمسة وعشرين عضواً، توجيه استجواب الى رئيس مجلس الوزراء او الوزراء، لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في اختصاصهم.

وقد ورد في المادة 61/ ثامناً من الدستور ان لمجلس النواب سحب الثقة من احد الوزراء بالاغلبية المطلقة، ويعد مستقيلاً من تاريخ قرار سحب الثقة، كما يملك المجلس بناءً على طلب خمس اعضائه وبالاغلبية المطلقة لعدد اعضائه سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء بعد استجواب وجه له.

ولكن مع ما تتمتع به الرقابة البرلمانية على أعمال الإدارة من أهمية فإن دورها مقيد غالباً بالإرادة الحزبية السائدة في البرلمان التي تكون في أحيان متوافقة مع إرادة الحكومة لو صادف أنها من الحزب نفسه فتكون الحكومة الخصم والحكم وهنا يختفي دور الرقابة السياسية ولا تحقق الحماية الكافية للأفراد ضد تعسف الإدارة خاصة في الدول غير النيابية أو التي تأخذ بنظام الحزب الواحد مما يقتضي تعزيزها بنوع أخر من أنواع الرقابة.([36]) كما ان عدم نضج الوعي السياسي لدى اعضاء البرلمان وافتقارهم الى الخبرة وضعف المعارضة قد تؤدي الى ضعف هذه الضمانة ويختفي دورها الحقيقي في حماية حقوق الافراد وحرياتهم.

المبحث الثاني

الرقابة الإدارية

الرقابة الإدارية تتمثل في الرقابة الذاتية التي تقوم بها الإدارة على تصرفاتها للبحث في مشروعيتها وملاءمتها فهي رقابة مشروعية من حيث موافقتها للقانون بمعناه العام ورقابة ملائمة من حيث تناسبها مع الهدف الذي تسعى الإدارة إلى تحقيقه .

وتبدو أهمية هذا النوع من الرقابة في إتاحة الفرصة للإدارة التي تصدر قراراً خاطئاً أن تعيد النظر في قراراها فتصححه تعديلاً أو إلغاءً أو تبديلاً، وفي ذلك حفظ لكرامة الإدارة عندما تكتشف عدم مشروعية تصرفها أو عدم ملائمته بالإضافة إلى أن هذا النوع من الرقابة مجاني ولا يتطلب أي رسوم أو مصاريف . ([37])

وهذه الرقابة أما أن تتم بشكل تلقائي وأما عن طريق تظلم ذوي الشأن .

المطلب الأول: الرقابة التلقائية

يتحقق هذا النوع من الرقابة الإدارية عندما تقوم الإدارة تلقائياً ببحث ومراجعة تصرفاتها لفحص مشروعيتها ومدى موافقتها للقانون وملائمتها للهدف المرجو منها، فتعمد إلى تصحيح تصرفاتها إلغاءً أو تعديلاً وقد يمارس هذه الرقابة الموظف أو الجهة التي أصدرت القرار، وقد يمارسها الرئيس الإداري بما له من سلطة رئاسية عليه، أو الهيئة المركزية بما لها من وصايا إدارية على الهيئات اللامركزية .

وقد تتم هذه الرقابة بناءً على تقارير لجنة أو هيئة إدارية أخرى مهمتها مراقبة أعمال الإدارة فتعمل على إلغاء قراراتها غير المشروعة أو إبلاغ الرئيس الإداري بما يتكشف لها من مخالفات قانونية ليتخذ الإجراء المناسب بخصوصها . ([38])

المطلب الثاني: الرقابة بناءً على تظلم

تمارس هذه الرقابة عندما تكتشف الإدارة عدم مشروعية تصرفها أو عدم ملائمته نتيجة تظلم يقدم إليها من صاحب المصلحة، وتختلف هذه التظلمات بحسب الأهمية التي يمنحها إياها المشرع، فتكون إجبارية أحياناً عندما يلزم الأفراد باتباعها قبل سلوك طريق الطعن القضائي فيكون شرطاً لقبول دعوى الإلغاء، مثلما فعل المشرع العراقي، حيث أخذ بفكرة التظلم الوجوبي و يجعله ه شرطاً عاماً بالنسبة لدعوى الإلغاء.

أما من حيث الجهة التي يقدم إليها التظلم فقد يكون التظلم ولائياَ أو رئاسياً أو إلى لجنة إدارية متخصصة .

أولاً- التظلم الولائي: وهو التظلم الذي يقدم إلى الجهة التي أصدرت القرار ويطلب إليها إلغاء القرار أو تعديله أو سحبه لعدم مشروعيته أو عدم ملائمته وتقوم الإدارة بعد ذلك بفحص التظلم للتأكد من مدى مشروعيته واتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي ما شابه من عيوب.([39])

ثانياً- التظلم الرئاسي: وهذا التظلم يقدم من صاحب المصلحة إلى رئيس من صدر عنه القرار محل التظلم وقد يلجأ صاحب الشأن إلى هذا النوع من التظلم بعد استنفاذ طريق التظلم الولائي إذا ما أصرت الجهة التي أصدرت القرار على رأيها ورفضت تظلمه.

ثالثاً- التظلم الموجه إلى لجنة متخصصة:

يشترط المشرع في بعض الأحيان أن يقدم التظلم إلى لجنة إدارية خاصة يتم تشكيلها وفق شروط معينة يناط بها النظر في مدى مشروعية وملائمة القرارات الصادرة عن الإدارة والتي يتم التظلم منها .

وتفصل هذه اللجان في التظلمات المقدمة إلها من دون الرجوع إلى الرئيس الإداري وغالباً ما ينتهي تطور هذه اللجان إلى انتقالها نحو الرقابة القضائية كما هو الشأن في مجلس الدولة الفرنسي .

وأياً كانت صورة الرقابة الإدارية فهي ليست كافية لضمان مشروعية تصرفات الإدارة في مواجهة الأفراد إذ أنها تفتقر إلى الاستقلال والحياد فهي تجمع صفتي الخصم والحكم ولا يأمن جانبها من هذه الجهة برغم ما تتميز به هذه الرقابة من يسر إجراءاتها وقلة تكاليفها بالمقارنة مع الرقابة القضائية .

المبحث الثالث

رقابة الهيئات المستقلة

من الوسائل الجديدة التي اعتمدتها بعض الدول للرقابة على أعمال الإدارة، استحداث هيئات مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لتمارس وظيفة الرقابة على تصـرفات الإدارة والبحث في مدى موافقتها للقانون . ونبحث فيما يأتي نماذج من هذه الهيئات التي اعتمدتها بعض الدول ([40]).

المطلب الأول: نظام الامبودسمان Ombouds man أو المفوض البرلماني

والامبودسمان كلمة سويدية يراد بها المفوض أو الممثل . وهو شخص مكلف من البرلمان بمراقبة الإدارة والحكومة وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم ([41]).

وقد استحدثت السويد هذا النظام في دستورها لعام 1809 ليكون وسيلة لتحقيق التوازن بين سلطة البرلمان والسلطة التنفيذية وللحد من تعسف الأخيرة في استخدامها لامتيازاتها في مواجهة الأفراد .

وقد تطور هذا النظام حتى بات يطلق عليه اسم “حامي المواطن” فهو الشخـص الذي يلجأ إليه المواطن طالباً حمايته وتدخله إذ ما صادفته مشاكل أو صعوبات مع الحكومة أو الجهات الإدارية.([42])

وللمفوض البرلماني الحق في التدخل من تلقاء نفسه أو بناءً على شكوى يتلقاها من الأفراد أو بأي وسيلة أخرى يعلم من خلالها بوقوع مخالفة فيعمل على توجيه الإدارة إلي وجوب اتباع أسلوب معين في عملها لتتدارك أخطائها، وله استجواب أي موظف في هذا الشأن وله إقامة الدعوى على الموظفين المقصرين في أداء واجباتهم ومطالبتهم بالتعويـض لمن لحقه ضرر من جراء التصرف غير المشروع.([43])

هذا ويقدم الامبودسمان تقريراً سنوياً إلي البرلمان يتضمن ما قام به من أعمال خلال تلك السنة.

وبالنظر للنجاح الكبير لهذا النظام فقد أخذت العديد من الدول بأنظمة مشابهة له كما حصل في فنلندا التي أخذت به عام 1919 ثم الدانمارك بمقتضى دستورها لعام 1953 وتم انتخاب أول امبودسمان فيها عام 1955 كذلك أخذت به نيوزلندا والنرويج عام 1962 والمملكة المتحدة وكندا عام 1967.

المطلب الثاني : الوسيط الفرنسي Le mediateur

أخذت فرنسا بنظام مشابه لنظام الامبودسمان واسمته " الوسيط" لأنه يتوسط البرلمان والحكومة أو لأنه وسطاً بين الرقابة البرلمانية والقضائية ([44]).

وبموجب القانون رقم "6" في 3/1/1973 يعين الوسيط لمدة ستة سنوات غير قابلة للتجديد من رئيس الجمهورية بمرسوم جمهوري ولا يمكن عزله خلال هذه المدة أو إنهاء ممارسة أعمال وظيفته. إلا عندما يتعذر عليه القيام بواجباته الوظيفية ويترك أمر تقرير ذلك إلي لجنة مكونة من نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس محكمة النقض ورئيس ديوان الرقابة المالية، ويتخذ القرار بالإجماع.([45])

ويتمتع الوسيط باستقلال تام فلا يتلقى أية تعليمات من أية سلطة ولا يمكن إلقاء القبض عليه أو ملاحقته أو توقيفه أو حجزه بسبب أعمال وظيفته أو الآراء التي يدلي بها ويلتزم الوسيط بان يقدم تقريراً سنوياً مفصلاً عن نشاطه في السنة السابقة إلي رئيس الجمهورية والبرلمان ([46]).

ويملك الوسيط حق توجيه الإدارة إلي ما هو كفيل بتحقيق أهدافها، وتسهيل حل الموضوعات محل للنزاع وتوجيه الإدارة إلي اتباع أسلوب معين في العمل ويحدد الوسـيط مدة معينة تجيب الإدارة على هذا التوجيه فإذا امتنعت عن الإجابة أو رفضت الرأي المقترح برفع الوسيط تقريراً بذلك إلي رئيس الجمهورية

هذا وقد أوجب القانون الفرنسي على المواطنين الإجابة على أسئلة واستفسارات الوسيط وله في ذلك أن يطلب من الوزراء تسليم المستندات والملفات التي تخـص الموضوعات التي بحثها ولا يجوز له الامتناع عن ذلك وان كانت الملفات سريه إلا إذا تعلق الأمر بالدفاع الوطني أو المصالح السياسية العليا ([47]).

ويخرج عن اختصاص الوسيط وفق نص المادة "8" من قانون سنة 1973 الرقابة على أعمال الإدارة فيما يتعلق بالمنازعات ذات الطابع الوظيفي بسبب إناطة الفصل بها إلي مجلس الدولة، وحسبه كفيلاً بتوفير الحماية اللازمة للموظفين .

وللأهمية التي يتمتع بها هذا النظام نجد انه كان قد تلقى في عام 1974 حـوالي 1659 شكوى بينما وصل عدد الشكاوى التي تلقاها عام 1991 إلي ما يقارب من 3000 شكوى بحسب آخر الإحصاءات ([48]).

المطلب الثالث: هيئة الادعاء العام السوفيتي

أنشأ الاتحاد السوفيتي السابق نظام هيئة الادعاء العام سنة 1922 وقد افرد له دستور عام 1936 خمس مواد لتحديد اختصاصاته ومن اختصاصاته الإشراف على تنفيذ الأنظمة والقوانين ومراقبة تقيد الإدارة بها وشرعية إجراءاتها في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم .

ويمكن أن يباشر وظيفته تلك بمراقبة الإدارة تلقائياً أو بناء على تظلم يقدم إليه، ويعمل على تصحيح الأعمال والقرارات غير الشرعية الصادرة عن الإدارة ([49]). ويقتصر عمل المدعي العام على التأكد من مطابقة العمل الإداري للقانون دون البحث في ملائمة الإجراء الإداري أو كفايته، على عكس الأسلوب الذي اتبعه الامبودسمان السويدي والوسيط الفرنسي حيث يبحثان في ملائمة التصرف الإداري بالإضافة إلي مشروعيته ([50]).

ويعد هذا النظام مساعداً للقضاء في الرقابة على أعمال الإدارة وحامياً لا يحرمها في مواجهتها، مما حمل المشرع الروسي على الإبقاء عليه بعد تفكك الاتحاد السوفيتي على الرغم ما يكتنف عمله في بعض الأحيان من عدم التزام الإدارة بآرائه وعدم قدرته على تغيير مسلكها إذا ما أصرت على رأيها .

المطلب الرابع : تقدير رقابة الهيئات المستقلة

تتمتع هذه النظم بخصائص تميزها عن سائر وسائل الرقابة، فهي على عكس الرقابة القضائية لا تتطلب أي رسوم أو مصاريف، كما تتمتع بصفة السرعة التي تفتقر إليها الرقابة القضائية .

بالإضافة إلي عدم أشترطها أية شكلية في تقديم الشكاوى كذلك لا يشترط في الشكاوى توفر المصلحة لمقدمها على نقيض النزاع القضائي . ولو أن بعض النظم ذهب إلي اشتراط ذلك بعد ازدياد عدد الشكاوى المقدمة إليها .

وغالباً ما تراقب هذه الهيئات موضوع ملائمة قرارات الإدارة في مواجهة الأفراد وتستمد سلطتها تلك من مبادئ العدالة والقيم العليا في المجتمع وروح القانون . فضلاً عن إسهامها في اقتراح وتعديل التشريعات وفق ما يلائم التطبيق السليم لها بما يحقق الحفاظ على حقوق وحريات المواطنين.

ومما يؤخذ على هذه الهيئات أنها ليست ملزمة باتخاذ إجراء معين في الشكوى المقدمة إليها من جهة ولا تتمتع بسلطة إصدار قرارات ملزمة للإدارة من جهة أخرى فهو يوجهها إلي اتباع أسلوب معين في تعاملها مع الأفراد ومن خلال ذلك يطلب تعديل أو إلغاء أو تبديل قراراتها، فسلطته أدبية في هذا الشأن ([51]).

ويبدو ان المشرع الدستوري العراقي قد اخذ لاول مرة بهذا الاسلوب من الرقابة فقد ورد في نص المادة (102) منه ((تعد المفوضية العليا لحقوق الانسان والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة النزاهة هيئات مستقلة، تخضع لرقابة مجلس النواب، وتنظم اعمالها بقانون )).

و لا يسعنا إلا ان نرجو ان تعوض هذه الهيئات في اختصاصها الاستثناءات الخطيرة التي شابت ولاية القضاء على اعمال الادارة والعيوب الكثيرة التي اكتنفت الرقابة البرلمانية اذ ان الانسان العراقي بحاجة الى المزيد من الحماية وان في استحداث المفوضية العليا لحقوق الانسان الى جانب هيئة النزاهة الضمانة الاكيدة لتوفير ذلك.

المبحث الرابع

الرقابـــة القضائيـــة

تعد رقابة القضاء على أعمال الإدارة أهم وأجدى صور الرقابة و اكثرها ضماناً لحقوق الأفراد وحرياتهم لما تتميز به الرقابة القضائية من استقلال وحياد . وما تتمتع به أحكام القضاء من قوة وحجية يلتزم الجميع بتنفيذها واحترامها بما في ذلك الإدارة . وإلا تعرض المخالف للمسألة .

ومن المستقر وجود نوعين من نظم الرقابة القضائية على أعمال الإدارة لا يميز النوع الأول بين الأفراد والإدارة في مراقبة تصرفاتهم ويخضعهم لنظام قضائي واحد هو القضاء العادي، ويسمى بنظام القضاء الموحد . أما الثاني فيسمى نظام القضاء المزدوج ويتم فيه التمييز بين منازعات الأفراد ويختص بها القضاء العادي والمنازعات الإدارية وتخضـع لقضاء متخصص هو القضاء الإداري .

المطلب الأول : نظام القضاء الموحد

يسود هذا النظام في إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى، ومقتضاه أن تختص جهة قضائية واحدة بالنظر في جميع المنازعات التي تنشأ بين الأفراد أنفسهم أو بينهم وبين الإدارة أو بين الهيئات الإدارية نفسها

وهذا النظام يتميز بأنه أكثر اتفاقاً مع مبدأ المشروعية إذ يخضع الأفراد والإدارة إلي قضاء واحد وقانون واحد مما لا يسمح بمنح الإدارة أي امتيازات في مواجهة الأفراد([52]). بالإضافة إلي اليسر في إجراءات التقاضي إذا ما قورنت بأسلوب توزيع الاختصاصات القضائية بين القضاء العادي والإداري في نظام القضاء المزدوج .

ومع ذلك فقد وجه النقد إلي هذا النظام من حيث انه يقضي على الاستقلال الواجب توفره للإدارة بتوجيهه الأوامر إليها مما يعيق أدائها لأعمالها، مما يدفع الإدارة إلي استصدار التشريعات التي تمنع الطعن في قراراتها، ولا يخفى ما لهذا من إضرار بحقوق الأفراد وحرياتهم .

ومن جانب آخر فأن نظام القضاء الموحد يؤدي إلي تقرير مبدأ المسؤولية الشخصية للموظفين مما يدفعهم إلي الخشية من أداء عملهم بالوجه المطلوب خوفاً من المساءلة، وإذا مـا قرر القضاء تضمين الموظفين بناءً على هذا المبدأ فانه يحرم المضرورين من اقتضاء التعويض المناسب لضعف إمكانية الموظف المالية غالباً ([53]).

المطلب الثاني : نظام القضاء المزدوج

يقوم هذا النظام على أساس وجود جهتين قضائيتين مستقلتين، جهة القضاء العادي وتختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة عندما تتصرف كشخص من أشخاص القانون الخاص، ويطبق القضاء على هذا النزاع أحكام القانون الخاص.

وجهة القضاء الإداري تختص بالفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والإدارة عندما تظهر الأخيرة بصفتها صاحبة السلطة وتتمتع بامتيازات لا يتمتع بها الأفراد ويطبق القضاء الإداري على المنازعة قواعد القانون العام .

وتعد فرنسا مهد القضاء الإداري ومنها انتشر هذا النظام في الكثير من الدول كبلجيكا واليونان، ومصر، والعراق، لما يتمتع به من خصائص مهمة، فالقضاء الإداري قضاء إنشائي يسهم في خلق قواعد القانون العام المتميزة عن القواعد العادية في ظل القانون الخاص والتي يمكن من خلالها تحقيق المصلحة العامة وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم .

وان وجود قضاء متخصص يمارس الرقابة على اعمال السلطة التنفيذية يمثل ضمانة حقيقية لحقوق الافراد وحرياتهم في مواجهة تعسف الادارة، وتتجلى اهمية وجود قضاء اداري متخصص للفصل في المنازعات الادارية في ان رقابة القضاء على اعمال الادارة تعتبر الجزاء الاكبر لمبدأ الشرعية والضمانة الفعالة لسلامة تطبيق القانون والتزام حدودة وبه تكتمل عناصر الدولة القانونية وحماية حقوق وحريات الافراد من جور وتعسف الادارة.

ولا شك في أن نظام القضاء المزدوج كان قد نشأ أساسا على مبدأ الفصل بين السلطات ومن مقتضاه منع القضاء العادي من النظر في المنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها احتراماً لاستقلال السلطة التنفيذية، وهو ما وفر للقضاء الإداري الكثير من الاستقلال والخصوصية يناسب وظيفته في الفصل بالمنازعات الإدارية وإنشاء قواعد القانون الإداري المتميزة أصلا عن قواعد القانون الخاص

وقد اتسم القضاء الإداري بسرعة الفصل في المنازعات الإدارية و البساطة في الإجراءات ضماناً لحسن سير المرافق العامة، الأمر الذي تمليه طبيعة المنازعات الإدارية وتعلقها بالمصلحة العامة غالباً.

وتعد محكمة القضاء الاداري في العراق التي تم انشائها بصدور القانون رقم 106 لسنة 1989 (قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 ) ركناً مهماً من اركان احترام القانون فتختص بالنظر في صحة الاوامر والقرارات الادارية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في دوائر الدولة والتعويض عنها.

فقد ورد في المادة السابعة / ثانياً من القانون اعلاه:

(( يعتبر من اسباب الطعن بوجه خاص ما يلي:-

1- ان يتضمن الامر او القرار خرقاً او مخالفة للقانون او الانظمة والتعليمات.

2- ان يكون الامر او القرار قد صدر خلافاً لقواعد الاختصاص او معيباً في شكله.

3- ان يتضمن الامر او القرار خطأ في تطبيق القوانين او الانظمة او التعليمات او تفسيرها او فيه اساءة او تعسف في استعمال السلطة ويعتبر في حكم القرارات او الاوامر التي يجوز الطعن فيها رفض او امتناع الموظف او الهيئات في دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي عن اتخاذ قرار او امر كان من الواجب عليه اتخاذه قانوناً )).

الا انه وجه إلي نظام القضاء المزدوج بعض النقد من حيث أن وجود جهتين قضائيتين في الدولة يؤدي من جانب إلي تعقيد في الإجراءات وإرباك الأفراد في اختيار جهة التقاضي ويؤدي من جانب آخر إلي تنازع في الاختصاص القضائي بين القضاء العادي والقضاء الإداري.

إلا أن هذه المشكلة أمكن حلها عن طريق إنشاء مرجع للفصل في تنازع الاختصاص سواء أكان التنازع إيجابيا أم سلبياً . وفي فرنسا تم إنشاء محكمة تنازع الاختصاص التي تعد مكملة لنظام القضاء المزدوج، وتعمل على فض التنازع على الاختصاص أو التعارض بين الأحكام ([54]).

كذلك فان المشرع المصري عهد إلي المحكمة الدستورية العليا المنشأة بموجب القانون رقم 48 لسنة 1979. حسم مشكلة تنازع الاختصاص، حيث تنص المادة 25/2 على أن تختص المحكمة "……… الفصل في تنازع الاختصاص بتعين الجهة المختصة من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي كما تختص بالفصل في النزاع الذي يقوم بشأنه تنفيذ حكمين نهائيين صادر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي والأخرى من جهة أخرى".

اما في العراق فقد انشأ المشرع في قانون تعديل قانون مجلس شورى رقم 106 لسنة 1989 هيأة تنازع الاختصاص تتالف من ستة اعضاء : يختار رئيس محكمة التمييز ثلاثه من بين اعضاء المحكمه , اما الثلاثه الاخرين فيختارهم رئيس مجلس شورى الدولة من بين اعضاء المجلس وتجتمع الهيأة برئاسة رئيس محكمة التمييز لتتولى النظر في التنازع الحاصل في الاختصاص بين القضاء الاداري والمحاكم المدنيه وتتخذ الهيأة قراراتها بالاتفاق او الاكثرية .

الباب الثاني

في نشأة القضاء الإداري وتنظيمه

يرجع الفضل في نشأة القضاء الإداري بصفة عامة إلي القضاء الإداري الفرنسي الذي أسهم في إبراز دوره ووضع مبادئه بشكل لا يمكن تجاهله .

وعلى ذلك نجد أن من المناسب أن نبحث في نشأة وتنظيم القضاء الإداري الفرنسي ونعرض بإيجاز إلي القضاء الإداري المصري قبل أن ندرس تنظيم القضاء الإداري في العراق.

وسيكون ذلك في ثلاثة فصول على التوالي :

الفصل الأول : نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في فرنسا .

الفصل الثاني : نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في مصر .

الفصل الثالث : نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في العراق .

الفصل الاول

نشأة القضاء الإداري في فرنسا

للوقوف على نشأة القضاء الإداري في فرنسا لابد لنا من التطرق إلي بداية ظهوره وتنظيمه ونبين ذلك تباعاً في مبحثين .

المبحث الأول

نشأة القضاء الإداري في فرنسا

تعد فرنسا بحق مهد القضاء الإداري ومنها انتشر إلي الدول الأخرى وكان ظهور هذا النظام نتيجة للأفكار التي جاءت بها الثورة الفرنسية عام 1789 التي تقوم في الأساس على مبدأ الفصل بين السلطات ومن مقتضياته منع المحاكم القضائية القائمة في ذلك الوقت من الفصل في المنازعات الإدارية للحفاظ على استقلال الإدارة تجاه السلطة القضائية .

وتأكيداً لهذا الاتجاه أصدر رجال الثورة قانون 16-24 أغسطس 1790 نص على إلغاء المحاكم القضائية التي كانت تسمى بالبرلمانات وإنشاء ما يسمى بالإدارة القاضية أو الوزير القاضي كمرحلة أولى قبل إنشاء مجلس الدولة الفرنسي .

وفي مرحلة الإدارة القاضية كان على الأفراد اللجوء إلي الإدارة نفسها للتظلم إليها وتقديم الشكوى، فكانت الإدارة هي الخصم والحكم في الوقت ذاته وكان هذا الأمر مقبولاً إلي حد ما في ذلك الوقت بسبب السمعة السيئة لقضاء “ البرلمانات” التعسفية .

وبنشوء مجلس الدولة في 12 ديسمبر 1799 في عهـد نابليون بونابرت وضعت اللبنة الأولى للقضاء الإداري الفرنسي مع أن اختصاص المجلس كان أول الأمر استشارياً يتطلب تصديق القنصل. وبسبب الثقة التي كان يحضى بها المجلس لم يلبث أن منح اختصاصاً قضائياً باتاً دون الحاجة إلي تعقيب جهة أخرى وكان ذلك بالقانون الصادر في 24 مايو 1872 .

ومع أن هذا القانون خول المجلس سلطة البت النهائي في المنازعات الإدارة فانه أبقى على اختصاص الإدارة القاضية فلا يملك الأفراد اللجوء إلي مجلس الدولة إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون وفيما عدا ذلك تختص به الإدارة القاضية . مما أوجد ازدواجاً قضائياً واستمر هذا الوضع حتى تاريخ 13 ديسمبر 1889 عندما قبل مجلس الدولة دعوى قدمها أحد الأفراد مباشرة من دون المرور على الإدارة في قضية Cadot وترتب على حكمه فيها أن اصبح مجلس الدولة صاحب الاختصاص العام في المنازعات الإدارية .

وبسبب تراكم العديد من القضايا أمام مجلس الدولة حدد المشرع اختصاصات مجلس الدولة على سبيل الحصر أصبحت المحاكم الإدارية التي كانت تسمى مجالس الأقاليم صاحبة الاختصاص العام في المنازعات الإدارية.

ثم أعقب ذلك بعض المراسيم والقرارات التي تضمنت بعض الإصلاحات منها المراسيم الأربعة الصادرة في 30 يوليو 1963 المتعلقة بتحديد النظام الأساسي للعاملين في المجلس وتنظيمه الداخلي ونشاطه القضائي، وتم تعديل هذا التنظيم بثلاثة مراسيم أخرى في 26 أغسطس 1975 وبمرسوم في 15 يناير 1980 وآخر في 16 يناير 1981 وأخيراً في 1987 .

المبحث الثاني

تنظيم مجلس الدولة الفرنسي

يمثل مجلس الدولة في فرنسا قمة القضاء الإداري فهو يعلو على المحاكم الإدارية سواء أكانت نوعية أم متخصصة([55]).

ويمتاز أعضاء المجلس بمؤهلات عالية ومتنوعة، ويرأس المجلس رئيس الوزراء أو الوزير الأول وعند غيابه وزير العدل يتم تقسيم العمل في المجلس بحيث يعمل الأعضاء الأصغر سناً على تحضير القضايا والملفات بينما يتم اتخاذ القرارات النهائية من الأعضاء الأكبر سناً ([56]).

ووفقاً للمرسوم الصادر في 31 يوليو 1945 المعدل بالمرسوم في 30 سبتمبر 1953 يتكون المجلس من الأعضاء الآتين :

أولاً – المندوبون Les auditeurs :

وهم يشغلون أدنى درجات السلم الإداري في المجلس ويتم تعيينهم من بين خريجي المدرسة الوطنية للإدارة الذين يقضون مدة سنتين تحت الاختبار يتم نقلهم إلي وظيفة أخرى في حالة عدم إثبات كفاءتهم في العمل ([57]).

ويقسمون إلي درجتين الدرجة الأولى توضع في السلم الأول للجهاز الإداري ويتم ترقيتهم إلي الدرجة الثانية في حالة إثبات كفائتهم، وقد كانت الفكرة الأساسية تقوم على أساس اقتصار عمل المندوبين على التمرين والتدرب على عمل المجلس، أما الآن فانهم يشاركون بشكل فاعل في دراسة وتحضير ملفات القضايا .

ثانياً – النواب Les maitres de requetes :

ويتم اختيار ثلاثة أرباعهم من المندوبين من الدرجة الأولى ويعين الربع الأخير منهم من الحكومة من خارج المجلس بشرط أن يتوفر فيهم أمران :

الأول : بلوغ الثلاثين من العمر على الأقل .

الثاني : أن لا تقل خدمتهم داخل الإدارة العمومية عن عشر سنوات .

ويتولى النواب تقديم المطالعة بشأن موضوع النزاع ويختار من بينهم مفوضو الحكومة الذين يعينون بمرسوم ويقومون بدراسة الدعاوى المطروحة أمام المجلس من ناحية الوقائع والقانون ويتولون تكييفها واستخلاص حكم القانون فيها .

وهم لا يمثلون الحكومة كما توحي تسميتهم فهم يعبرون عن وجهة نظر القانون التي يضمنونها في ما يمكن اعتباره مشروع حكم كان له في كثير من الأحيان دور مهم في تأسيس العديد من مبادئ القانون العام ([58]).

ثالثاً- مستشارو الدولة في الخدمة العادية: Les conseillers d`Etat en service ordinaire

ويتم اختيار ثلثيهم من بين النواب عن طريق ترقيتهم ويختار الثلث الباقي من الحكومة بشرط بلوغهم سن الخامسة والأربعين .

ويتولى هؤلاء مناقشة القضايا المعروضة على المجلس واتخاذ القرارات النهائيـة ويبلغ عددهم حالياً (79) مستشاراً .

رابعاً- رؤساء الأقسام Presidents de Section :

ويبلغ عددهم خمسة ويتولون إدارة العمل في أقسام المجلس الخمسة وهي أربعة أقسام إدارية (قسم المالية، قسم الداخلية، قسم الأشغال العامة، القسم الاجتماعي ) والقسم الخامس منها وهو القسم القضائي الذي يختص بالفصل في المنازعات الإدارية .

خامساً- نائب رئيس المجلس Vice president :

وهو الرئيس الفعلي للمجلس لان رئيس المجلس وهو الوزير الأول أو رئيـس الوزراء وفي حالة غيابه وزير العدل يقتصر عمله على تولي رئاسة الجمعية العمومية للمجلس في المناسبات الرسمية ضماناً لانتقال مجلس الدولة عن السلطة التنفيذية .

بجانب هؤلاء الأعضاء الدائمين هناك فئات تسهم في أعمال المجلس بشكل عارض ومنهم مستشارو الدولة في الخدمة غير العادية الذين يتولون المشاركة في بعض الاختصاصات الإدارية دون القضائية وهم من كبار الموظفين أو المتقاعدين أو الشخصيات المعروفة تعينهم الحكومة لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد بشرط انقضاء سنتين على عملهم خارج المجلس .

كذلك يملك الوزراء الحضور إلي المجلس والمشاركة في المناقشات باستثناء القسم القضائي ومن حقهم أن يطلبوا من المجلس استدعاء أي شخص للإدلاء برأيه في القضايا المعروضة .

ويلاحظ أن أعضاء مجلس الدولة لا يتمتعون بمبدأ عدم القابلية للعزل من الناحية القانونية على أن الواقع الفعلي وتاريخ المجلس في مواجهة الحكومة يؤكد وجـود هذه الحصانة بسبب المكانة الراسخة للمجلس في الضمير القانوني لا يحرمها، وهي الضمانة التي مكنته من فرض استقلاله عن الحكومة ([59]).

المبحث الثالث

اختصاص القضاء الإداري الفرنسي

أولاً- اختصاصات مجلس الدولة:

يمارس مجلس الدولة في فرنسا نوعين من الاختصاصات : اختصاصات استشارية وأخرى قضائية:

1– الاختصاصات الاستشارية attributions consultatives :

الوظيفة الأساسية لمجلس الدولة كانت استشارية وما يزال المجلس يمارس هذه الوظيفة في مجالين المجال التشريعي والمجال الإداري ففي المجال التشريعي كان المجلس يشارك في تحضير القوانين وإعداد مشروعاتها . وفي ذلك نصت المادة 39 من الدستور الفرنسي لعام 1958 على وجوب إعداد مشروعات القوانين التي تقترحها الحكومة على البرلمان من مجلس الدولة إلا أن القوانين التي يقترحها البرلمان لا يستشار المجلس بشأنها.

أما في المجال الإداري فان المجلس يمارس اختصاصه الاستشاري في ثلاث حالات : بصفة إجبارية إذ تلزم الحكومة باستشارته عند إصدارها للقرارات التنظيمية وكذلك عند إصدارها للقرارات الإدارية المعروفة باسم الأوامر طبقاً للفصل 38 من دستور 1958 .

وبصفة اختيارية في الحالات الأخرى بناءً على رغبة الجهة طالبة المشورة .

كذلك يجوز للمجلس أن يتدخل بنفسه لإبداء رأيه لإثارة انتباه السلطات العمومية إلي الإصلاحات الواجب مراعاتها في المجالات التشريعية والتنظيمية والإدارية التي يراها مطابقة للمصلحة العامة . وبصدور قانون عام 1963 اصبح من الواجب على المجلس أن يقـدم تقريراً سنوياً للحكومة بشأن الإصلاحات التي يراها ضرورية .

2- الاختصاصات القضائية attributions contentieuses :

إذا كان الإفتاء هو الغرض الأساس الذي أنشئ مجلس الدولة من اجله فقد أضحى الاختصاص القضائي يحتل الجانب المهم من دوره لأن مجلس الدولة يمثل أعلى درجات القضاء الإداري في فرنسا بوصفه محكمة أول واخر درجة ومحكمة استئناف أو محكمة نقض:

أ- مجلس الدولة كمحكمة أول وآخر درجة :

قبل عام 1954 كان مجلس الدولة يتمتع باختصاصات واسعة بوصفه محكمة أول وآخر درجة لأنه يمثل الولاية العامة في مجال القضاء الإداري، إلا انه بصدور مرسوم 30 سبتمبر 1953 الذي اصبح نافذاً في يناير 1954 أصبحت المحاكم الإدارية صاحبة الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية وبسبب تراكم القضايا المعروضة أمام المجلس وبغية الإسراع في فض المنازعات اصبح اختصاص المجلس كأول وآخر درجة محدداً بالقضايا الآتية :

الدعاوى المتعلقة بإلغاء القرارات التنظيمية والفردية الصادرة بشكل مراسيم، وإلغاء قرارات الوزراء بسبب تجاوز السلطة .

المنازعات المتعلقة بالموظفين المعينين بمراسيم، فيما يتعلق بوظائفهم .

الدعاوى المرفوعة ضد القرارات الإدارية التي يمتد نطاق تنفيذها إلي حدود أكثر من محكمة إدارية واحدة.

المنازعات الإدارية التي تقع في مناطق لا تدخل في اختصاص محاكم إدارية .

ب. مجلس الدولة كمحكمة استئناف :

يقوم المجلس بالنظر بصفته درجة ثانية في التقاضي في الأحكام الصادرة من المحاكم الإدارية في المستعمرات ومحكمة المحاسبات.

جـ. مجلس الدولة كمحكمة نقض :

يمارس مجلس الدولة اختصاص محكمة نقض بالنسبة للأحكام الصادرة من محاكم القضاء الإداري التي لا يجوز استئناف أحكامها أمامه إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك.

ثانياً- المحاكم الإدارية :

أنشأت المحاكم الإدارية في فرنسا بتاريخ 30 سبتمبر 1953 وهي وريثة في الواقع لمجالس الإقليم التي أنشأت منذ 16 فبراير 1800 لتقديم الاسـتشارات والفتاوى إلي المحافظين . وكذلك كانت تمارس اختصاصاً قضائياً فيما يتعلق بالضرائب المباشرة والأشغال العامـة وبيع ممتلكات الدولة والمخالفات الخاصة بالبناء والمنازعات الخاصة بالانتخابات الإدارية المحلية([60]).

إلا انه وبموجب المرسوم الصادر في 30 سبتمبر 1953 أطلق على مجالس الأقاليم اسم المحاكم الإدارية وتمتعت بالولاية العامة في المنازعات الإدارية، ولا يخرج من اختصاصها إلا الموضوعات التي حددها القانون وأناطها إلي جهات قضائية أخرى.

وتملك المحاكم الإدارية بالإضافة إلي اختصاصها القضـائي اختصاصاً استشارياً يتمثل بإصدار المشورة في المسائل المعروضة عليها من الإدارة في نطاق الحدود الإقليمية للمحكمة، وهو اختصاص ثانوي إذا ما قيس باختصاصها القضائي.([61])

ويترأس كل محكمة رئيس وله نائب أو نائبان وعدد من الأعضاء ويعين رؤساء المحاكم الإدارية وأعضائها بواسطة مراسـيم بناءً على اقتراحات وزير الداخلية وموافقة وزير العدل .

وتقبل الأحكام الصادرة من المحاكم الإدارية في المنازعات الإدارية الطعن أمام المحاكم الاستئنافية أو أمام مجلس الدولة وفقاً للقانون .

ثالثاً- المحاكم الإدارية الاستئنافية:

ورغم إنشاء المحاكم الإدارية سنة 1953 واختصاصها بالفصل في اغلب المنازعات الإدارية، فان العبء الواقع على عاتق مجلس الدولة ظل ثقيلاً، إذ تتراكم أمامه القضايا سواء باعتبارها محكمة أول درجة أو محكمة استئناف أو محكمة نقض وهذا ما أدى إلي التأخير في نظر القضايا وإصدار الأحكام بشأنها ولهذا تدخل المشرع الفرنسي في سنة 1987 وإنشاء محاكم جديدة هي المحاكم الإدارية الاستئنافية تتكون من خمس محاكم موزعة على أنحاء البلاد لكي يطعن أمامها في الأحكام الصادر من المحاكم الإدارية (2).

الفصل الثاني

نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في مصر

في هذا القسم من الدراسة نبحث في نشأة القضاء الإداري المصري وتنظيمه في مبحثين تباعاً.

المبحث الأول

نشأة القضاء الإداري

عرفت مصر نظام القضاء الإداري منذ عام 1946 وكانت المحاكم العادية قبل هذا التاريخ هي جهة الاختصاص الوحيدة للفصل في المنازعات كافة([62]).

إذ تم إنشاء مجلس الدولة المصري بالقانون رقم 112 لسنة 1946بشان مجلس الدولة واتبعت مصر منذ هذا التاريخ نظام القضاء المزدوج . وقد مر مجلس الدولة بتطورات عدة حتى صدور القانون الحالي رقم 47 لعام 1972 وتعديلاته.

ووفقاً لهذا القانون يعد مجلس الدولة هيئة قضائية ملحقة بوزير العدل، ويتكون من رئيس وعدد من نواب الرئيس والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين ومن مندوبين مساعدين .

هذا ولم تؤثر تبعية المجلس لوزير العدل في استقلاله في ممارسة وظيفته إذ لا تتعدى هذه التبعية منح الوزير الإشراف الإداري وضمان حسن سير العمل الوظيفي، وهو ما أكدته المادة الأولى من القانون رقم 47 لسنة 1972 “ مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة “ .

ولم يولد المجلس قوياً منذ نشأته فقد كان القضاء العادي صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية وكانت اختصاصات مجلس الدولة محدده على سبيل الحصر في القوانين التي سبقت القانون الحالي للمجلس .

ففي ظل القانون رقم 112 لسنة 1946 والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 1949 كان القضاء العادي ينفرد بنظر دعاوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية ويختص بالاشتراك مع المجلس في نظر طلبات التعويض عن القرارات الإدارية . ويترتب على رفع دعوى الإلغاء أو التعويض إلي مجلس الدولة عدم جواز رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية وإذا ما رفعت دعوى التعويض أمام المحاكم العادية فانه يمتنع رفعها أمام مجلس الدولة .

كما كانت المحاكم العادية تنفرد بنظر المنازعات الخاصة بالعقود الإدارية حتى صدور القانون رقم 9 لسنة 1949والمعدل بالقانون رقم 112 لسنة 1946 الذي منح المجلس النظر في منازعات عقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد بالاشتراك مع المحاكم العادية.

وفي ظل القانونين 165 لسنة 1955 و 55 لسنة 1959 استمرت المحاكم العادية تنفرد بالنظر في دعاوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية في الوقت الذي استقل به مجلس الدولة بنظر المنازعات المتعلقة بالتعويض عن القرارات الإدارية والعقود الإدارية.

وبصدور القانون رقم 47 لسنة 1972 أصبح اختصاص مجلس الدولة صـاحب الولاية العامة بالنظر في المنازعات الإدارية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ([63]).

المبحث الثاني

تنظيم مجلس الدولة المصري

نصت المادة الثانية في الفقرة الثانية منها من القانون رقم 47 لسنة 1972 “ ويشكل المجلس من رئيس ومن عدد كاف من نواب الرئيس، والوكلاء والمستشارين، والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين . ويلحق بالمجلس مندوبون مساعدون تسري عليهم الأحكام الخاصة بالمندوبين عدا شرط الحصول على دبلومين من دبلومات الدراسات العليا” .

ومن هذا المادة يتضح أن مجلس الدولة يتكون على النحو الآتي :

أولاً– الرئيس :

يعين بقرار من رئيس الجمهورية من بين نواب رئيس المجلس بعد أخذ رأي جمعية عمومية تشكل من رئيس مجلس الدولة ونوابه ووكلائه والمستشارين الذين شغلوا وظيفة مستشار لمدة سنتين على الأقل.

ويعامل رئيس المجلس معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش . ويشرف الرئيس على أعمال أقسام المجلس المختلفة ويتولى توزيع العمل بينها والإشراف على الأعمال الإدارية وعلى الأمانة العامة للمجلس .

ثانياً– نواب الرئيس :

يعين نواب الرئيس بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة الجمعية العمومية للمجلس . ولم يحدد القانون عدد هؤلاء النواب . بينما نص على عدد من نواب الرئيس منهم (نائب رئيس المجلس لمحكمة القضاء الإداري، ونائب رئيس المجلس للمحاكم الإدارية ونائب الرئيس لهيئة مفوض الدولة ونائب الرئيس للمحاكم التأديبية ونائب الرئيس لقسم الفتوى، ونائب الرئيس لقسم التشريع ونائب الرئيس للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشـريع، ونائب الرئيس لإدارة التفتيش الفني، ونص القانون على أن يحل اقدم نواب الرئيس محل الرئيس في اختصاصاته عند غيابه .

ثالثاً– وكلاء مجلس الدولة :

أعيد هذا المنصب إلي المجلس بموجب القانون رقم 17 لسنة 1976 بعد أن نص عليه قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 واغفل قانون عام 1972 النص عليه .

ويتم تعيين هؤلاء بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة الجمعية العمومية ويحلون محل نواب الرئيس بحسب الأقدمية .

رابعاً– المستشارون والمستشارون المساعدون والنواب والمندوبون :

يعين هؤلاء بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس الخـاص بالشؤون الإدارية . ويتولون العمل بأقسام المجلس المختلفة كل حسب اختصاصه الذي رسمه القانون .

خامساً– المندوبون المساعدون :

ويلحقون بمجلس الدولة وتسري عليهم الأحكام الخاصة بالمندوبين ويعينون بالأسلوب الذي يعين به المندوبون عدا شرط الحصول على دبلومين من دبلومات الدراسات العليا .

سادساً– الأمين العام :

وهو بدرجة مستشار ينتدب بقرار من رئيس المجلس، ويعاون الرئيس في تنفيذ اختصاصاته لاسيما بما يتعلق بالأعمال الإدارية . كما يقوم برئاسة المكتب الفني الخاص بإعداد البحوث وأعمال الترجمة والمكتبة وإصدار مجلة المجلس ومجموعات الأحكام والفتاوى.

ومن الجدير بالملاحظة أن أعضاء مجلس الدولة يتمتعون بامتياز عدم قابليتهم للعزل، بالاستناد إلي ما نصت به المادة (91) من قانون المجلس بقولها “ أعضاء مجلس الدولة من درجة مندوب فما فوقها غير قابلين للعزل ويسري بالنسبة لهؤلاء جميع الضمانات التي يتمتع بها رجال القضاء، وتكون الهيئة المشكلة منها مجلس التأديب هي الجهة المختصة في كل ما يتصل بهذا الشأن.

ومع ذلك إذا اتضح أن أحدهم فقد الثقة والاعتبار اللذين تتطلبهم الوظيفة أو فقد أسباب الصلاحية لأدائها لغير الأسباب الصحية، أحيل إلي المعاش أو نقل إلي وظيفة معادلة غير قضائية بقرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس التأديب“.([64])

المبحث الثالث

اختصاصات مجلس الدولة المصري

حدد المشرع اختصاصات مجلس الدولة باختصاصات استشارية إفتائية واختصاصات تشريعية واختصاصات قضائية :

أولاً– الاختصاص الاستشاري :

يمارس قسم الفتوى بمجلس الدولة وظيفة الإفتاء وإبداء الرأي غير الملزم قانوناً للإدارة فيما تعرضه عليه .

ويتكون قسم الفتوى من إدارات تخصصيه لجهات الإدارة المختلفة مثل إدارة رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء والمحافظات والوزارات والهيئات العامة . ويرأس كل إدارة منها مستشاراً أو مستشار مساعد .

وعلى الرغم من أن الأصل في إبداء الفتوى اختياري يلزم القانون الأخير أحيانا باستفتاء إدارة الفتوى المختصة كما في حالة إبرام أو قبول أو إجازة أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها على خمسة آلاف جنيه ([65]).

ثانياً – اختصاص الصياغة والإعداد :

يتولى قسم التشريع بمجلس الدولة مهمة صياغة مشروعات القوانين والقرارات التي تحال إلي المجلس من دون البحث في موضوعها أو الحكم على ملاءمتها ([66]).

وقد ميز القانون بين الصياغة والإعداد فجعل الأولى إلزامية والثانية اختيارية . وفي ذلك نصت المادة 63 من القانون رقم 47 لسنة 1972 “ على كل وزارة أو مصلحة قبل استصدار أي قانون أو قرار من رئيس الجمهورية ذي صفة تشريعية أو لائحة، أن تعرض المشروع المقترح على قسم التشريع لمراجعة صياغته، ويجوز لها أن تعهد إليه بإعداد هذه التشريعات “.

وقد أناط القانون في المادة 64 منه مهمة الصياغة والإعداد في حالات الاستعجال إلي لجنة تشكل من رئيس قسم التشريع، أو من يقوم مقامه . وأحد مستشاري القسم ينتدبه رئيس القسم، ورئيس إدارة الفتوى المختصة . بينما تختص الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمراجعة مشروعات القوانين وقرارات ورئيس الجمهورية ذات الصبغة التشريعية واللوائح التي يرى قسم التشريع إحالتها لأهميتها .

وفي حالة عدم الالتزام بعرض مشروعات اللوائح على قسم التشريع أو الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع يترتب البطلان، مع أن الإدارة لا تتقيد دائماً بالصيغة التي أعدها المجلس وتملك تعديلها إذا اقتنعت بعدم ملائمتها

ثالثاً– الاختصاص القضائي :

يعد القسم القضائي من أهم أقسام مجلس الدولة وهو يتألف طبقاً للمـادة الثالثة من قانون مجلس الدولة من:

1- المحكمة الإدارية العليا :

هي المرجع الأعلى في القسم القضائي بمجلس الدولة المصري . استحدثها القانون رقم 165 لسنة 1955 ويرأسها رئيس المجلس، وتصدر أحكامها من دوائر من خمسة مستشارين . وقد تم إنشاء دوائر لفحص الطعون تشكل من ثلاثة مستشارين من أعضاء المحكمة الإدارية العليا، ومقرها القاهرة .

تختص هذه المحكمة بالنظر في الطعون المقدمة ضد الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري أو من المحاكم التأديبية في الحالات الآتية :

أ– إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه وتأويله .

ب- إذا وقع في الحكم المطعون فيه بطلان في الإجراءات اثر في الحكم .

جـ- إذا صدر الحكم على خلاف حكم سابق حاز قوة الشيء المحكوم فيه سواء دفع بهذا أو لم يدفع.

2- محكمة القضاء الإداري :

كانت محكمة القضاء الإداري، المحكمة الإدارية الوحيدة عند إنشاء المجلس عام 1946 وعلى أثر زيادة عبئها وكثرة المعروض عليها من القضايا، استحدثت اللجـان القضائية التي حلت محلها المحاكم الإدارية عام 1954.

وطبقاً للمادة الرابعة من قانون مجلس الدولة، يرأس محكمة القضاء الإداري نائب رئيس المجلس، وتصدر أحكامها من دوائر تشكل من ثلاثة مستشارين .

وتمارس المحكمة نوعين من الاختصاصات :

أ– اختصاصات باعتبارها محكمة أول درجة :

تختص بنظر المنازعات الإدارية التي لم يجعلها المشرع من اختصاص المحاكم الإدارية أو المحاكم التأديبية .

ب- اختصاصات باعتبارها محكمة استئناف :

من جانب آخر تختص المحكمة بالفصل في الطعون التي ترفع إليها ضد الأحكام الصادرة من المحاكم الإدارية باعتبارها محكمة استئناف أو محكمة ثاني درجة .

3- المحاكم الإدارية :

على أثر تراكم القضايا المعروضة أمام محكمة القضاء الإداري انشأ المشرع لجاناً قضائية للنظر في المنازعات الخاصة بموظفي الدولة بموجب المرسوم بقانون رقم 160 لسنة 1952 .

وبسبب فشل هذه التجربة وعدم تحقيق الهدف منها، اصدر المشرع القانون رقم 147 لسنة 1954 القاضي بإنشاء المحاكم الإدارية وإلغاء اللجان القضائية .

وطبقاً للمادة الخامسة من قانون مجلس الدولة تشكل هذه المحاكم من دوائر برئاسة مستشار وعضوية اثنين من النواب على الأقل، ويكون مقر المحاكم الإدارية في القاهرة والإسكندرية ويجوز إنشاء محاكم إدارية في المحافظات بقرار من رئيس المجلس.

تختص المحاكم الإدارية بنظر بعض المنازعات الخاصة بشؤون الموظفين من المستويين الأول والثاني ومنازعات العقود الإدارية متى كانت قيمتها لا تجاوز خمسمائة جنيه.

4- المحاكم التأديبية :

تعد المجالس التأديبية التي يتم تشكيلها من رجال الإدارة المرجع في نظر المنازعات الخاصة بتأديب العاملين، وبسبب الشكاوى المتعلقة بعمل هذه المجالس . أصدر المشرع المصري القانون رقم 117 لسنة 1958 بشان النيابة الإدارية والذي انشقت بموجبه المحاكم التأديبية تختص بمنازعات الموظفين المعينين في وظائف دائمة والخاصة بالمخالفات المالية والإدارية التي تقع منهم .

وتتكون المحاكم التأديبية من نوعين : محاكم للعاملين من مستوى الإدارة العليا ومقرها القاهرة والإسكندرية وتشكل كل دائرة منها من ثلاثة مستشارين، والمحاكم للعاملين من المستويات الأول والثاني والثالث ومن بمستواهم، وتتألف من دوائر تتشكل كل دائرة منها برئاسة مستشار مساعد على الأقل، وعضوية اثنين من النواب على الأقل.

ويتولى أعضاء النيابة الإدارية الادعاء أمام المحاكم التأديبية، ويطعن في الأحكام الصادرة من المحاكم التأديبية أمام المحكمة الإدارية العليا وقد ادمج المشرع المحاكم التأديبية في مجلس الدولة وجعلها جزء منه.فقد نصت المادة (3) من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة، على يتكون القسم القضائي في مجلس الدولة من المحكمة الإدارية العليا، ومحكمة القضاء الإداري، المحاكم الإدارية والمحاكم التأديبية .

5- هيئة مفوضي الدولة :

تم استحداث هذه الهيئة في ظل القانون رقم 165 لسنة 1955 وتعد طبقاً للقانون الحالي جزءاً من القسم القضائي لمجلس الدولة . وتؤلف من أحد نواب رئيس المجلس رئيساً ومن عدد كاف من المستشارين والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين .

وعلى الرغم من أن تسمية المفوض بأنه مفوض الدولة، هو لا يمثل الحكومة وتتعلق وظيفته بالدفاع عن القانون والسعي لتحقيق المصلحة العامة .

وتختص هيئة مفوضي الدولة بتحضير الدعوى وتهيئتها للمرافعة وتقديم الرأي القانوني المناسب فيها، وللمفوض أن يعرض على الطرفين تسوية النزاع على أسـاس المبادئ القانونية التي استقرت عليها المحكمة الإدارية العليا، وإذا لم يتم حسم النزاع بهذه الصورة فأن للمفوض أن يقوم بتقديم تقرير عن الدعوى يحدد وقائع الدعوى والرأي القانوني الذي يقترحه والأسانيد القانونية لهذا الرأي ويجوز لذوي الشأن أن يطلعوا على هذا التقرير وإذا ما صدر الحكم فأن لرئيس هيئة مفوضي الدولة الحق في الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا . كما تملك هيئة المفوضين الفصل في طلبات الإعفاء من الرسوم القضائية .

ويعد حضور ممثل هيئة مفوضي الدولة ضرورياً لصحة جلسات محاكم مجلـس الدولة باستثناء المحاكم التأديبية .

الفصل الثالث

نشأة القضاء الإداري وتنظيمه في العراق

اتبع العراق في أول عهد تنظيمها القضائي أسلوباً متميزاً فلم ياخذ بنظام القضاء المزدوج كما فعلت فرنسا ومصر، بل اتبعت أسلوباً يتمثل في ازدواجية القانون ووحدة القضاء والذي بموجبه كان القضاء العادي يبسط سلطانه على جميع المنازعات في الدولة وبغض النظر عن أطرافها سواء أكانوا من الأفراد العاديين أم جهة من جهات الإدارة إلا أنه عدلت عن هذا التوجه منذ صدور القانون رقم (106 ) لسنة 1989 قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم (65) لسنة 1979 حيث اصبح العراق من الدول ذات النظام القضائي المزدوج،

المبحث الأول

نشأة القضاء الإداري

بصدور القانون رقم 106 لسنه 1989 قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 60 لسنه 1979 انشأ لأول مرة في العراق قضاء إداريا مستقلا إلى جانب القضاء العادي وبات العراق كالنظام القضائي المزدوج.

أما قبل هذا التاريخ فقد عرف العراق بموجب القانون 140 ما يسمى بالمحاكم الادارية وهي محاكم تختص بالنظر في المنازعات التي تكون الادارة طرفا فيها بصرف النظر كون عن المنازعة ذات طبيعة إدارية مدنية لذلك كانت جزء من القضاء العادي وقد تم الغاء هذه المحاكم بالقانون رقم 16 لسنة 1989 كما عرف قضاء مجلس الانضباط العام الذي يتولى مهمة الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الموظف والدولة استنادا إلى قانون انضباط موظفي الدولة القطاع الاشتراكي رقم 69 لسنة 1936 وقانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960.

وإذا ذهب البعض إلى أن العراق قد أخذ بنظام القضاء المزدوج قبل عام 1989 بالاستناد إلى اختصاص مجلس الانضباط العام , فان المستقر لدى غالبية الفقهاء أن النظام القضائي المزدوج لم يظهر إلا بعد صدور قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة عام 1989 والمتضمن إنشاء محكمة القضاء الاداري إلى جانب مجلس الانضباط العام.

المبحث الثاني

تنظيم مجلس شورى الدولة

أوردت المادة الاولى المعدلة من مجلس شورى الدولة " يؤسس مجلس يسمى مجلس شورى الدولة يرتبط إداريا بوزارة العدل يكون مقره في بغداد ويتألف من رئيس ونائبين للرئيس وعدد من المستشاري لا يقل عن اثنى عشرة ومن عدد من المستشارين المساعدين لا يزيد على نصف عدد المستشاري".

في حين نصت الفقرة الاولى من المادة الثانية المعدلة من القانون المذكور على أن " يتكون المجلس من الهيئة العامة وهيئة الرئاسة والهيئة الموسعة ممجلس الانضباط العام ومحكمة القضاء الاداري وعدد من الهيئات المتخصصة حسب الحاجة" ونبين فيما يلي هذه الهيئات واختصاصاتها:

أولا: الهيئة العامة: وتتألف من الرئيس ونائبيه والمستشارين وتعقد برئاسة الرئيس وعند غيابه اقدم نائبيه ويحضر المستشارين المساعدون الهيئة العامة ويشتركون في النقاش دون حق التصويت.

وتختص الهيئة العامة كأعلى هيئة في المجلس بالعمل على توحيد المبادئ الاحكام واستقرارها فيما يختص به المجلس في مجال التقنين وابداء الرأي في المسائل القانونية كما تمارس الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة اختصاصات محكمة التمييز المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية, عند النظر في الطعن في القرارات الصادرة من مجلس الانضباط العام.([67]) وتتخذ الهيئة العامة قراراتها باغلبية عدد الاعضاء الحاضرين واذا تساوتالاصوات يرجح الجانب الذي فيه الرئيس.

ثانيا : هيئة الرئاسة: تتالف هيئة الرئاسه من الرئيس ونائبيه ورؤساء الهيئات المتخصصة وتقدم هيئة الرئاسة كل ستة اشهر وكلما رات ذلك الى ديوان الرئاسة تقريرا متضمنا ما اظهرته الاحكام والبحوث من نقص في التشريع القائم او غموض فيه او حالات اساءة استعمال السلطة من اية جهة من جهات الادارة او مجاوزة تلك الجهات لسلطاتها.

ثالثا : الهيئه المتخصصه: وتتالف كل هيئه متخصصه من رئيس بعنوان مستشار وعدد من المستشارين المساعدين شرط ان لاتزيد نسبتهم على ثلث عدد المستشارين .

ولم يحدد المشرع عدد الهيئات المتخصصه وترك ذلك لمقتضيات الحاجة وتخصص هذه الهيئات بالظر فيما يحيله رئيس المجلس من مشروعات التشريعات والقصايا المعروضه على المجلس لدراستها وابداء الراي فيها .

ويخضع ما تنجزه الهيئه في مجال التقنين للمراجعة النهائيه من الهيئه العامة . اما المشوره القانونيه فيخضع رايها لمصادقة رئيس المجلس او الهيئه العامه , وللرئيس ان يعترض على راي الهيئه المتخصصه ويحيله الى الهيئه الموسعة.

رابعا : الهيئة الموسعة : وهي هيئة مؤقتة تتكون كلما اقتضت الحاجة وتتالف من هيئتين متخصصتين يعينهما الرئيس وتعقد برئاسة احد نائبيه ويحضر اجتماعها المستشارين المساعدينويشتركون في النقاش دون حق التصويت .

وتجتمع هذه الهيئه عندما لايتفق رئيس المجلس والهيئه المتخصصه على راي واحد في غير مشروعات القوانين فعند اذن تجتمع الهيئه المتخصصة برئاسة رئيس المجلس لبحث الموضوع ثانية فاذا صدر القرار بالاتفاق اصبح نهائيا . اما اذا لم يتم الاتفاق على راي موحد فالرئيس امام خياران : اما ان يحيل الموضوع الى الهيئة العامةاو الى هيئة تشكل من الهيئه المتخصصة ذات العلاقة وهيئه اخرى يعينها الرئيس من بين الهيئات المتخصصه الاخرى وتسمى هاتين الهيئتين ( الهيئه الموسعة). وتصدر قرارا نهائيا بالاتفاق او بالاكثريه , اما اذا تساوت الاصوات فيرجح الجانب الذي يصوت معة الرئيس .

خامسا :مجلس الانضباط العام :

يتكون مجلس الانضباط العام وفقا التعديل الثاني لمجلس شورى الدولة من رئيس مجلس شورى الدولة رئيسا واعضاء مجلس الشورى اعضاء طبيعيين فيه، وينعقد مجلس الانضباط العام لممارسة اختصاصاته برئاسة الرئيس وعضوين من اعضاء مجلس الشورى، ويجوز انتداب القضاة من الصنف الاول والثاني لعضوية مجلس الانضباط العام من غير المنتدبين لعضوية مجلس شورى الدولة.

وقد كان مجلس الانضباط العام قائما قبل صدور قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة إذ تم انشاءه بموجب قانون انضباط موظفي الدولة رقم 41 لسنة 1929 ثم تولى ديوان التدوين القانوني وظيفة مجلس الانضباط العام بموجب قانون ديوان التدوين القانوني رقم 49 لسنة 1933 وعندما صدر قانون انضباط موظفي الدولة رقم 69 لسنة 1936 أحال في تشكيل المجلس الى ما ينص عليه قانون ديوان التدوين القانوني، ثم صدر القانون رقم 12 لسنة 1942 بتعديل القانون المذكور.

وعندما صدر قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 ألغى قانون ديوان التدوين القانوني باستثناء المادة السادسة المتعلقة بتشكيل مجلس الانضباط العام.

ثم صدر قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 1717 في 21/12/1981 ليجعل مجلس الانضباط العام هيئة مستقلة تماما عن مجلس شورى الدولة، يتكون من رئيس وعضوين يسميهم وزير العدل على ان يكون رئيس المجلس من بين قضاة محكمة التمييز او المستشارين في مجلس شورى الدولة او من قضاة الصنف الاول وان يكون العضوان من قضاة الصنف الثاني في الاقل والمشرفين العدليين والمستشارين المساعدين والمدراء العامين في وزارة العدل، ويجوز تسمية رئيس وعضو احتياط او اكثر ليحل محل من يغيب منهم.

واخيرا وبصدور قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة (القانون رقم 106 لسنة 1989 ) عاد مجلس الانضباط العام الى مجلس شورى الدولة ليصبح هيئة من هيئاته ليمارس اختصاصات المنصوص عليها في قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام الحالي المعدل رقم 14 لسنة 1991 وقانون الخدمة المدنية.

سادسا: محكمة القضاء الاداري: لعل هذه المحكمة هي الاستحداث الاكثر اهمية الذي جاء به القانون رقم 106 لسنة 1989 اذ ورد النص على تشكيل المحكمة برئاسة قاضي من الصنف الاول اومستشار في مجلس شورى الدولة وعضوين من القضاة لا يقل صنفهما عن الصنف الثاني من صنوف القضاة او من المستشارين المساعدين في مجلس شورى الدولة. ويجوز انتداب القضاة من الصنف الاول او الثاني الى محكمة القضاء الاداري من غير المنتدبين لعضوية مجلس شورى الدولة وتمارس المحكمة مهمة النظر في صحة القرارات الادارية الغاء وتعويضا ويكون قرار المحكمة خاضعا للطعن فيه لدى المحكمة الاتحادية العليا.

سابعا: هيئة التنازع: وهي هيئة قضائية تتكون من ستة اعضاء ثلاثة يختارهم رئيس محكمة التمييز من اعضاء المحكمة وثلاثة اخرون يختارهم رئيس مجلس شورى الدولة من بين اعضاء المجلس وتجتمع برئاسة رئيس محكمة التمييز وتختص بحسم اشكالات التنازع في الاختصاص بين القضاء العادي والقضاء الاداري.

المبحث الثالث

الاختصاصات غير القضائيه لمجلس شورى الدولة

يضطلع مجلس شورى الدولة بعدة وظائف منها ما يتعلق بالتقنين والاستشارة القانونية.

المطلب الاول: وظيفة المجلس في مجال التقنين.

يمارس مجلس شورى الدولة طبقا للمادة الخامسة المعدلة من قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل اعداد وصياغة مشروعات التشريعات المتعلقة بالوزارات او الجهات غير المرتبطة بوزارة بطلب من الوزير المختص او الرئيس الاعلى للجهه غير المرتبطة بوزالرة بعد ان يرفق بها ما يتضمن اسس التشريع المطلوب مع جميع اولوياته وآراء الوزارات او الجهات ذات العلاقة .

كما يختص المجلس بتدقيق جميع مشروعات التشريعات المعدة من الوزارات او الجهات غير المرتبطة بوزارة من حيث الشكل والموضوع على النحو الاتي :

1- تلتزم الوزارات او الجهات غير المرتبطة بوزارة بعرض مشروع القانون على الوزارات ذات الصلة لبيان رايها بشأنه قبل عرضه على المجلس.

2- يرسل المشروع التشريع الى المجلس بكتاب موقع من الوزير المختص او الرئيس الاعلى للجهه غير المرتبطة بوزارة مع اسبابه الموجبه وآراءالوزارات او الجات ذات العلاقة مشفوعا بجميع الاعمال التحضيرية, ولا يجوز رفعه الى ديوان الرئاسة مباشرة الا في الاحول التي ينسبها الديوان .

3- يتولى المجلس دراسة الموضوع واعادة صياغتة عند الاقتضاء واقتراح البدائل التي يراها ضرورية وابداء الراى فيه ورفعه مع توصيات المجلس الى ديوان الرئاسة وارسال نسخة من المشروع وتوصيات المجلس الى الوزارة او الجهه ذات العلاقة.

وفي كل ذلك يساهم المجلس في ضمان وحدة وحدة التشريع وتوحيد اسس الصياغة التشريعية وتوحيد المصطلحات والتعابير القانونية كما يلتزم المجلس بتقديم تقرير كل ستة اشهر الى ديوان الرئاسة يتضمن ما يكتنف التشريع القائم من نقص او غموض.

المطلب الثاني : وظيفة المجلس في مجال الراي والمشورة:

اشارت المادة السادسة من قانون مجلس شورى الدولة الى الاختصاصات الاستشارية لمجلس شورى الدولة والتي يمكن اجمالها فيما يلى:

  1. ابداء المشورة القانونية في المسائل التي تعرضها عليه الجهات العليا.
  2. ابداء المشورة القانونية في الاتفاقيات والمعاهدات الدوليه قبل عقدها او الانضمام اليها.
  3. ابداء الرأي في المسائل المختلف فيها بين الوزارات او بينها وبين الجهات غير المرتبطه بوزارة اذا احتكم اطراف القضية الى المجلس ويكون راي المجلس ملزما لها.
  4. ابداء الرأي في المسائل القانونية اذا حصل تردد لدى احدى الوزارات اوالجهات غير المرتبطه بوزارة على ان تشفع برأي الدائرة القانونية فيها مع تحديد النقاط المطلوب ابداء الراى بشأنها والاسباب التي دعت الى عرضها على المجلس ويكون رايه ملزما للوزارة او الجهه طالبة الرأي..
  5. توضيح الاحكام القانونية عند استيضاح عنها من قبل احدى الوزارات او الجهات غير المرتبطه بوزارة.

ومن الجدير بالذكر انه لايجوز لغير الوزير المختص او الرئيس الاعلى للجهات غير المرتبطه بوزارة عرض القضايا على المجلس , ولايجوز ان يبدي المجلس رأية او مشورته في القضايا المعروضة على القضاء وفي القرارات التي لها مرجع قانوني للطعن.([68])

المبحث الرابع

الاختصاصات القضائية لمجلس شورى الدولة

يمارس مجلس شورى الدولة اختصاصاته القضائية باعتباره قضاء اداريا من خلال هيئتين قضائيتين هما مجلس الانضباط العام و محكمة القضاء الاداري .

المطلب الاول : الاختصاصات القضائية لمجلس الانضباط العام

كان مجلس الانضباط العام يمارس اختصاصاته القضائية قبل صدور قانون مجلس شورى الدولة و قانون تعديله الثاني ،فقد كان يمارس اختصاصاته بموجب قوانين سابقة هي قانون الخدمة المدنية رقم (24) لسنة 1960 و قانون انضباط موظفي الدولة رقم (69) لسنة 1936 الذي حل محله قانون انضبلط موظفي الدولة و القطاع الاشتراكي رقم (14) لسنة 1991

غير ان نص المادة السابعة من قانون مجلس شورى الدولة المعدل بقانون التعديل الثاني قد نصت على ان مجلس شورى الدولة يمارس في مجال القضاء الاداري الاختصاصات التالي ذكرها ..((اولا :وظائف مجلس الانضباط العام ..)) و من ثم اصبح المجلس في ضمن تشكيلات مجلس شورى الدولة .

و يمارس المجلس و ظيفته القضائية في مجالين رئيسيين:

- اختصاصاته في مجال انضباط موظفي الدولة .

- باختصاصاته في مجال النظر في دعاوى الخدمة المدنية .

اولا: اختصاصاته في مجال انضباط موظفي الدولة

يختص مجلس الانضباط العام بنظر الطعون المقدمة ضد العقوبات التأديبية الصادرة وفقا لقانون انضباط موظفي الدولة و القطاع العام المعدل رقم (14) لسنة 1991 الاختصاصات القضائية لمجلس الانضباط العام .

وفي سبيل بيان اختصاص مجلس الانضباط العام في مجال انضباط موظفي الدولة نجد أنه من المناسب أن نبين مفهوم الموظف العام ابتداءً والعقوبات التي يمكن ايقاعها على الموظف وولاية مجلس الانضباط العام في كل ذلك .

تعريف الموظف العام

لم يرد في معظم التشريعات تعريف منظم يحدد المقصود بالموظف العام .([69]) ويرجع ذلك إلى اختلاف الوضع القانوني للموظف العام بين دولة وأخرى وإلى صفة التجدد المضطرد للقانون الإداري .

واكتفت أغلب التشريعات الصادرة في ميدان الوظيفة العامة بتحديد معني الموظف العام في مجال تطبيقها .([70])

غير انه وعلى عكس أغلب التشريعات نجد أن المشرع العراقي قد درج على تعريف الموظف العام في صلب قوانين الخدمة المدنية وقوانين انضباط موظفي الدولة ، فقد عرفه في المادة الأولى من قانون انضباط موظفي الدولة رقم 14 لسنة 1991 المعدل " كل شخص عهدت إليه وظيفة داخل ملاك الوزارةأو الجهة غير المرتبطة بوزارة " .

وعلى ذلك نرى انه يلزم للتمتع بصفة الموظف العام ما يلي:

1. أن يعهد إليه بعمل دائم : يشترط لإضفاء صفة الموظف العام أن يشغل العامل وظيفة دائمة داخلة في نظام المرفق العام , وبذلك لا يعد العاملون بصورة مؤقتة أو موسمية كالخبراء والمشاورين القانونيون موظفين .

ومن متممات العمل الدائم أن تكون الوظيفة داخله ضمن الملاك الدائم في الوحدة الإدارية .

ومن الواجب عدم الخلط بين الموظف الذي يعمل بعقد مؤقت في وظيفة دائمة والوظيفة المؤقتة أو الموسمية لأن شاغل الوظيفة الأولى يعد موظفاً عاماً ولو أمكن فصله بانتهاء مدة العقد .

أما الثانية فلا يعد شاغلها موظفاً عاماً تغليباً للطبيعة اللائحية لعلاقة شاغل الوظيفة الدائمة بالإدارة على العلاقة التعاقدية .

2- أن يعمل الموظف في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام : لا يكفى لاعتبار الشخص موظفاً عاماً أن يعمل في وظيفة دائمة إنما يلزم أن يكون عمله هذا في خدمة مرفق عام Le Service Public وللمرفق العام معنيان : المعنى العضوي ويفيد المنظمة التي تعمل على أداء الخدمات وإشباع الحاجات العامة ، ويتعلق هذا التعريف بالإدارة أو الجهاز الإداري

أما المعنى الآخر فهو المعنى الموضوعي ويتمثل بالنشاط الصادر عن الإدارة بهدف إشباع حاجات عامة والذي يخضع لتنظيم وإشراف ورقابة الدولة . ([71]) وقد كان المعنى العضوي المعنى الشائع في القضائين الفرنسي والمصري ثم جمعا بين المعنيين بتطور أحكامهما ومن ثم استقرا على المعنى الموضوعي .

ويشترط لاكتساب صفة الموظف العام أن تدير الدولة أو أحد أشخاص القانون العام هذا المرفق إدارة مباشرة . وبذلك لا يعد الموظفون في المرافق التي تدار بطريقة الالتزام موظفين عموميين . وكذلك العاملون في الشركات والمنشآت التي لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة ولو تم إنشائها بقصد إشباع حاجات عامة .

3- أن تكون تولية الوظيفة العامة بواسطة السلطة المختصة :الشرط الأخير اللازم لاكتساب صفة الموظف العام هو أن يتم تعيينه بقرار من السلطة صاحبة الاختصاص بالتعيين .

فلا يعد موظفاً عاماً من يستولي على الوظيفة دون قرار بالتعيين كالموظف الفعلي .كما أن مجرد تسليم العمل أو تقاضي المرتب لا يكفي لاعتبار المرشح معيناً في الوظيفة إذا لم يصدر قرار التعيين بإدارة القانونية ممن يملك التعيين . ([72])

واجبات الموظف العام

يجب أن يؤدي الموظف العام مهام معينة ضماناً لحسن سير الوظيفة العامة , وقد تعرض المشرع لواجبات الموظفين. ولابد من الإشارة إلى أن هذه الواجبات ليست محددة على سبيل الحصر , وإنما هي واجبات عامة ناتجة عن طبيعة الوظيفة العامة اذا ما خالفها فانه يعرض نفسه للمسائله والتاديب , وقد نص المشرع على الأساسية منها في المادة الثالثه من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام المعدل ومن اهمها :

1- أداء العمل

2- طاعة الرؤساء

3- احترام القوانين واللوائح

4- عدم إفشاء أسرار الوظيفة.

5- المحافظة على شرف وكرامة الوظيفة

6- عدم جواز الجمع بين الوظيفة وأي عمل آخر.

تأديب الموظف العام

إذا اخل الموظف العام بواجب من واجبات الوظيفة اعلاه ، لابد أن يعاقب أو يجازى تأديبياً .

في العادة لا يضع المشرع تعريفاً محدداً للجريمة التأديبية ([73]) كما هو الشان في الجريمة الجنائية ويكتفي غالباً بإيراد الوجبات والمحظورات وينص على أن كل موظف يجب أن يلتزم بهذه الواجبات ويمتنع عن كل ما يخل بها .

ولعل خشية المشرع في إضفاء وصف الجريمة على المخالفات التأديبية يعود إلى التشابه الذي قد يحصل بينها وبين الجريمة في المجال الجنائي :

لكن الفقه من جانبه قد سد النقص في هذا المجال فقد عرف الدكتور مغاورى محمد شاهين الجريمة التأديبية بأنها إخلال بواجب وظيفي أو الخروج على مقتضاها بما ينعكس عليها . ([74])

كما عرفها الاستاذ محمد مختار محمد عثمان بانها كل فعل أو امتناع عن فعل مخالف لقاعدة قانونية أو لمقتضى الواجب يصدر من العامل اثناء اداء الوظيفة أو خارجها مما ينعكس عليها بغير عذر مقبول . ([75])

ومن الملاحظ ان هذه التعاريف قد جاءت خالية من الاشارة الى دور الارادة بوصفها ركن من اركان الجريمة التأديبية لايمكن ان تقوم الجريمة بدونه وان هذا الاتجاه لو اصبح اتجاهاً عاماً فانه سيؤدى الى مساواه حسن النية من الموظفين بسيئ النيه ولاشك ان ذلك يقود الى التطبيق العشوائى للمساءلة التأديبية مما يترك اثراً سلبياً على العمل فى المرفق .

ويمكننا تعريف الجريمة التأديبية بأنها كل فعل أو امتناع إرادي يصدر عن الموظف من شانة الإخلال بواجب من واجبات الوظيفة التي ينص عليها القانون فهذا التعريف يجمع بين جنباته أركان الجريمة التأديبية كافة من ركن مادي ومعنوي وشرعي وركن الصفة .

العقوبات التأديبية

العقوبات التأديبية او الانضباطية كما اطلق عليها المشرع العراقي تمثل جزاء الإخلال بالواجبات الوظيفية وهذه العقوبات توقع على مرتكبي الجرائم التأديبية وهى محددة على سبيل الحصر ولا يمكن تزاوجها وإيقاع عقوبة أخرى غيرها . وقد حدد المشرع العراقي في المادة (8) في قانون انضباط موظفي الدوله رقم 14 لسنة 1991 المعدل العقوبات التي يجوز ان توقع على الموظف العام وهي :

1 - لفت النظر: ويكون باشعار الموظف تحريريا بالمخالفه التي ارتكبها وتوجيهه تحسين سلوكه الوظيفي ويترتب على هذه العقوبه تاخيرالترفيع او الزياده مدة ثلاثة اشهر .

2-الإنذار : ويكون باشعار الموظف تحريريا بالمخالفه التي ارتكبها وتحذيره من الاخلال بواجبات الوظيفته مستقبلا ويترتب على هذه العقوبه تاخيرالترفيع او الزياده مدة ستة اشهر .

3-قطع الراتب : ويكون بخصم القسط اليومي من راتب الموظف لمدة لاتتجاوز عشرة ايام بامر تحريري تذكر فيه المخالفه التي ارتكبها الموظف واستوجبت فرض العقوبه , ويترتب عليها تاخير الترفيع او الزياده خمسة اشهر في حالة قطع الراتب لمدة لاتتجاوز خمسة ايام , وشهر واحد عن كل يوم من ايام قطع الراتب في حالة تجاوز مدة العقوبه خمسة ايام .

4 - التوبيخ : ويكون باشعار الموظف تحريريا بالمخالفه التي ارتكبها والاسباب التي جعلت سلوكه غير مرض ويطلب اليه وجوب اجتناب المخالفه لتحسين سلوكه الوظيفي ويترتب على هذه العقوبه تاخيرالترفيع او الزياده مدة سنه واحدة

5- انقاص الراتب: ويكون بقطع مبلغ من راتب الموظف بنسبه لاتتجاوز 10% من راتبه الشهري لمدة لاتقل عن ستة اشهر و لاتزيد على سنتين ويتم ذلك بامرتحريري يشعر الموظف بالفعل الذي ارتكبه ويترتب على هذه العقوبة تاخيرالترفيع او الزياده مدة سنتين .

6- تنزيل الدرجه: ويكون بامر تحريري يشعر الموظف بالفعل الذي ارتكبه ويترتب على هذه العقوبة:

أ –بالنسبه للموظف الخاضع لقوانين او انظمه او قواعد او تعليمات خدمه تاخذ بنظام الدرجات الماليه والترفيع , تنزيل راتب الموظف الى الحد الادنى للدرجه التي دون درجته مباشره مع منحه العلاوات التي نالها في الدرجه المنزل منها ( بقياس العلاوة المقررة في الدرجه المنزل اليها ) ويعاد الراتب الذي كان يتقاضاه قبل تنزيل درجته بعد قضائه ثلاث سنوات من تاريخ فرض العقوبه مع تدوير المدة المقضيه في راتبه الاخير قبل فرض العقوبة .

ب - بالنسبه للموظف الخاضع لقوانين او انظمه او قواعد او تعليمات خدمه تاخذ بنظام الزيادة كل سنتين , تخفيض زيادتين من راتب الموظف , ويعاد الى الراتب الذي كان يتقاضاه قيل تنزيل درجته بعد قضائه ثلاثة سنوات من تاريخ فرض العقوبه مع تدوير المدة المقضية في مرتبه الاخير قبل فرض العقوبه.

ج - بالنسبه للموظف الخاضع لقوانين او انظمه او قواعد او تعليمات خدمه تاخذ بنظام الزيادة السنويه , تخفيض ثلاثة زيادات سنويه من راتب الموظف مع تدوير المدة المقضيه في راتبه الاخير قبل فرض العقوبه

7 - الفصل :أجاز المشرع في المادة (8) من قانون انضباط موظفي الدوله والقطاع الاشتراكي إيقاع عقوبة الفصل على الموظف العام و يكون بتنحية الموظف عن الوظيفة مدة تحدد بقرار الفصل يتضمن الاسباب التي استوجبت فرض هذه العقوبه عليه على النحو الاتي:

أ – مدة لاتقل عن سنة ولاتزيد على ثلاث سنوات اذا عوقب الموظف باثنين من العقوبات التالية او باحداهما لمرتين وارتكب في المرة الثالثة خلال خمس سنوات من تاريخ فرض العقوبة الاولى فعلا يستوجب معاقبته باحدها.

- التوبيخ

- انقاص الراتب

- تنزيل الدرجه

ب – مدة بقائه في السجن اذا حكم عليه بالحبس او السجن عن جريمة غير مخلة بالشرف وذلك اعتبارا من تاريخ صدور الحكم عليه , وتعتبر مدة موقوفيته من ضمن مدة الفصل ولاتسترد منه انصاف الرواتب المصروفه له خلال مدة سحب اليد .

8- العزل : ويكون بتنحية الموظف عن الوظيفة نهائيا ولاتجوز اعادة توظيفه في دوائر الدوله والقطاع الاشتراكي , وذلك بقرار مسبب من الوزير في احدى الحالات الاتيه:

أ- اذا ثبت ارتكابه فعلا خطيرا يجعل بقاءه في خدمة الدوله مضرا بالمصلحة العامة.

ب- اذا حكم عليه عن جناية ناشئه عن وظيفته وارتكبها بصفته الرسمية.

ج- اذا عوقب بالفصل ثم اعيد توظيفه فارتكب فعلا يستوجب الفصل مرة اخرى .

شرعية العقوبة التأديبية

لا يجوز توقيع أي عقوبة تأديبية لم ينص عليها المشرع ، تطبيقاً لمبدأ " شرعية العقوبة " مع ترك الحرية للإدارة في اختيار العقوبة المناسبة للمخالفة التأديبية .

وعلى هذا الأساس لا يجوز لسلطة التأديب أن توقع على الموظف عقوبة لم ترد ضمن القائمة المحدودة قانوناً وليس لها إيقاع عقوبة مقنعة من خلال القرار بانتداب الموظف أو نقله ولا تبتغي الإدارة من وراء ذلك إلا معاقبته بغير الطريق التأديبي .

فمن المقرر في الفقه والقضاء الإداريين أن القانون التأديبي شأنه شأن القانون الجنائي إنما هو يقوم على مبدأ لا عقوبة إلا بنص – ولهذا فأنه لا يجوز لأي سبب من الأسباب أن يعاقب من ثبت ارتكابه لجريمة تأديبية بعقوبة لم ينص عليها القانون .

ويتفرع من مبدأ شرعية العقوبة التأديبية أيضا عدم جواز أن توقع الإدارة على الموظف أكثر من عقوبة تأديبية على الفعل الواحد .

السلطات التأديبيه الرئاسية

نضم قانون انضباط موظفي سلطة الرؤساء الإداريين في ايقاع العقوبات التأديبية في حالة مخالفة الموظفين لواجباته الوظيفية , ويكون اختصاص هؤلاء الرؤساء كاملاً من حيث توجيه الاتهام وتكييف الخطأ وإصدار العقوبة المناسبة .

وقد حدد المشرع في المادة (11) من قانون انضباط موظفي الجهات المختصه بفرض العقوبات الانضباطيه او التاديبيه وفق التفصيل الاتي.

1-الرئاسه ومجلس الوزراء :

نص المشرع في المادة (14) من من قانون انضباط موظفي الدوله والقطاع العام المعدل على انه: ( اولا: لرئيس الجمهورية أو من يخوله فرض ايا من العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون على الموظفين التابعين له .ثانيا لرئيس مجلس الوزراء او الوزير او رئيس الدائرة الغير مرتبطة بوزارة فرض احدى العقوبات التالية والمشموله باحكام هذا القانون .

أ-انقاص الراتب

ب-تنزيل الدرجة

ج -الفصل

د-العزل.

ثالثا: للموظف بموجب الفقرات (اولا) و ( ثانيا) من هذه المادة الطعن في قرار فرض العقوبة وفقا لاحكام المادة (15) من هذا القانون ).

2-الوزير:

يملك الوزير بالإسناد إلى المادة (12) فرض عقوبة لفت النظر او الانذار او قطع الراتب على الموظف الذي يشغل وظيفة مديرعام فما فوق.اما اذا تبين له ان المدير عام فما فوق قد ارتكب فعلا يستوجب عقوبه اشد فعليه ان يعرض الامر على مجلس الوزراء متضمنا الاقتراح بفرض احدى العقوبات المنصوص عليها في القانون ويكون قرار مجلس الوزراء بهذا الشأن خاضعا للطعن فيه وفقا لاحكام المادة (15) من القانون .

3-رئيس الدائرة او الموظف المخول له فرض العقوبة:

وله فرض العقوبات التاليه على الموظف المخالف لوجبات الوظيفة العامة

أ-لفت النظر

ب-الانذار

ج -قطع الراتب لمدة لاتتجاوز خمسة ايام

د- التوبيخ

اما اذا اوصت اللجنه التحقيقيه بفرض عقوبة اشد فعلى رئيس الدائرة او الموظف المخول احالتها الى الوزير لاتخاذ القرار بشأنها .

الاجراءات التأديبية

نص المشرع العراقي في المادة (10) من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام المعدل على الاجراءات الواجب اتباعها في ايقاع العقوبات الانضباطية على الموظف المخالف .فتطلبت تشكيل لجنة تحقيقية من رئيس وعضوين من ذوي الخبرة على ان يكون احدهم حاصلا على شهادة جامعية اولية في القانون . تتولى هذة اللجنة التحقيق تحريريا مع الموظف . وتوصي الى السلطة الرئاسيه بالعقوبه المقترحه اذا كان فعل الموظف يكون مخالفة لواجبات الموظف او توصي بغلق التحقيق اذا لم يشكل فعله اي مخالفة , اما اذا تبين لها ان فعل الموظف يشكل جريمة نشأت من وظيفته او ارتكبها بصفته الرسمية فيجب عليها ان توصي باحالته الى المحاكم المختصة .

من جانب آخر للوزير ولرئيس الدائرة اسنادا الى نص المادة (10 - رابعا ) من القانون فرض اي من عقوبات لفت النظر والانذار وقطع الراتب مباشرة بعد استجواب الموظف ولا شك ان في ذلك اخلال بالضمانات الواجب توافرها للموظف خاصة .

الطعن بقرار فرض العقوبه:

عندما صدر قانون انضباط موظفي الدوله رقم 14 لسنة 1991 نص على الطعن في القرارات الصادرة بايقاع العقوبة الانضباطية في المادة (11) منه , وقد جعل القرارات المتضمنة عقوبة لفت النظر والانذار وقطع الراتب باتة لايجوز الطعن بها امام مجلس الانضباط العام . كما نص على اعتبارجميع العقوبات الصادره من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء باتة لا جوز الطعن فيها .

الا انه وبصدور القانون رقم (5) لسنة 2008 ( قانون التعديل الاول لقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع الاشتراكي) لم تعد هذه العقوبات باتة واصبح من الممكن الطعن فيها جميعا امام مجلس الانضباط العام كما تغيرت تسمية القانون الى قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991 , ولاشك ان هذا التوجه محمود من المشرع وفي احترام للضمانات الواجب مراعاتها في النظام التاديبي.

هذا ولمجلس الانضباط العام ان يصدر الاحكام الاتية في الطعون المقدمة اليه :

أـ رد الطعن من الناحية الشكلية مثل عدم التظلم من القرار لدى الجهة الادارية التي اصدرته او فوات مدة الطعن .

ب ـ المصادقة على القرار المطعون فيه اذا وجد المجلس ان ذلك القرار موافق للقانون .

ج ـ للمجلس تخفيض العقوبة اذا كانت العقوبة لا تتناسب مع جسامة الخطأ

دـ للمجلس الغاء العقوبة اذا وجد ان القرار المطعون به معيب .

مدة الطعن امام مجلس الانضباط العام:

اشترط المشرع العراقي قبل الطعن في القرار الاداري الخاص بفرض العقوبة التظلم من القرار امام الجهة التي اصدرته خلال ثلاثين يوما من تاريخ تبليغ الموظف بقرار فرض العقوبة وعلى هذه الجهه البت في التظلم خلال ثلاثين يوما من تاريخ التظلم وعند عدم البت يعد ذلك رفضا للتظلم يجوز عنده الطعن لدى مجلس الانضباط العام خلال ثلاثين يوما من تاريخ الرفض الصريح او الحكمي للتظلم.([76]) ويعد القرار غير المطعون فيه خلال المدد المنصوص عليه اعلاه باتا.

ويجوز الطعن بقرار مجلس الانضباط العام لدى الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة خلال ثلاثين يوما من تاريخ التبلغ به او اعتباره مبلغا , ويكون قرار الهيئة العامة الصادر نتيجة الطعن باتا وملزما.

ثانيا : اختصاصات المجلس في مجال النظر في دعاوى الخدمة

يختص مجلس الانضباط العام بالنظر في دعاوى الموظفين الناشئة عن حقوق الخدمة بموجب قانون الخدمة المدنية رقم(24) لسنة 1960 المعدل و الانظمة الصادرة بمقتضاه .

و من قبيل الدعاوى ما يتعلق بالمنازعات الخاصة بالرواتب و المخصصات المستحقة للموظفين و احتساب القدم للترفيع بسبب الحصول على شهادات الاختصاص الجامعية و اجتياز الدورات التدريبية و احتساب مدد ممارسة المهنة عند التعيين و اعادة التعيين و القرارات الخاصة بالتعيين او الترفيع او منح العلاوات او الاستغناء عن الخدمة في فترة التجربة او اعادة الموظف المرفع الى وظيفته السابقة في فترة التجربة ... الخ .

و قد مد مجلس الانضباط العام اختصاصاته لتشمل المنازعات الناشئة عن تطبيق بعض قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل ، فقد بحث في الدعاوى المتعلقة باجور المحاضرات الاضافية و مكافأة نهاية الخدمة و غيرها .

وولاية مجلس الانضباط العام بالنسبة الى هذه المنازعات ولاية قضاء كامل لا تقف عند مجرد الغاء القرار ، فله ان يحكم بتعديل القرار المطعون فيه او التعويض عن الاضرار التي الحقها بالمدعي .

وقد اوضحت الفقرة الثالثة من المادة (59) من قانون الخدمة المدنية رقم (24) لسنة 1960 انه يتوجب على الموظف اقامة الدعوى بالحقوق الناشئة عن تطبيق القانون المذكور خلال ثلاثين يوما من تاريخ التبلغ بالقرار المطعون فيه اذا كان الموظف داخل العراق ، و ستين يوما اذا كان خارج العراق .

ومن ثم فانه لم يستلزم المشرع التظلم من القرارات المتعلقة بحقوق الخدمة المدنية قبل الطعن في قرار الاداره المتعلق بشؤون الخدمة المدنية.

و يكون حكم مجلس الانضباط العام استنادا الى المادة (59) من القانون المذكور خاضعا للطعن فيه امام الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة و يعد حكم مجلس الانضباط العام غير المطعون فيه و حكم الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة الصادر نتيجة الطعن باتا .

المطلب الثاني : اختصاص محكمة القضاء الاداري

الهيئة القضائية الاخرى التي يتكون منها مجلس شورى الدولة هي محكمة القضاء الاداري .

وتعد محكمة القضاء الاداري في العراق التي تم انشائها بصدور القانون رقم 106 لسنة 1989 (قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 ) وفقا للبند ( ثانيا) من المادة السابعة الجهه ذات الاختصاص بالنظر في صحة الاوامر والقرارات الادارية التي تصدر عن الموظفين والهيئات والهيئات في دوائر الدولة والتعويض عنها.

فقد ورد في المادة السابعة / ثانياً من القانون اعلاه:

(( يعتبر من اسباب الطعن بوجه خاص ما يلي:-

1- ان يتضمن الامر او القرار خرقاً او مخالفة للقانون او الانظمة والتعليمات.

2- ان يكون الامر او القرار قد صدر خلافاً لقواعد الاختصاص او معيباً في شكله.

3- ان يتضمن الامر او القرار خطأ في تطبيق القوانين او الانظمة او التعليمات او تفسيرها او فيه اساءة او تعسف في استعمال السلطة ويعتبر في حكم القرارات او الاوامر التي يجوز الطعن فيها رفض او امتناع الموظف او الهيئات في دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي عن اتخاذ قرار او امر كان من الواجب عليه اتخاذه قانوناً )).

ومن الجدير بالذكر ان المشرع العراقي قد اخرج من اختصاصات محكمة القضاء الاداري الطعون في القرارات الاتية :

1- اعمال السيادة واعتبر من اعمال السيادة المراسيم والقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية .

2- القرارات الادارية التي تتخذ تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية وفقاً لصلاحياته الدستورية .

3- القرارات الادارية التي رسم القانون طريقاً للتظلم منها او الاعتراض عليها او الطعن فيها .

وفي ضوء ذلك يتبين ان اختصاصات المحكمة محدودة جداً فهي علاوة على حصر اختصاصها بالنظر في صحة الاوامر والقرارات الادارية, نجد ان المشرع قد استثنى العديد من القرارات الادارية من قبيل المراسيم والقرارات الصادرة من رئيس الجمهورية والتي اعتبرها من اعمال السيادة . وهو امر يتنافى مع مبدأ المشروعية وضرورة خضوع الادارة للقانون ويفتح المجال امام تعسفها وانتهاك حقوق الافراد وحرياتهم . كما ان المتتبع لطبيعة النظام القانوني العراقي يجد انه زاخر بالنصوص التي ترسم طريقاً للتظلم من القرارات الصادرة من بعض الجهات الادارية امام الادارة نفسها او امام لجان ادارية او شبه قضائية وان استثناء المادة السابعة من قانون مجلس شورى الدولة هذا النوع من القرارات من ولاية محكمة القضاء الاداري يقضي على ضمانة مهمة من ضمانات التقاضي ويحرم الافراد من الاستفادة من قضاء مستقل متخصص بالمنازعات الادارية .

ومع ذلك نتلمس توجها آخر من المشرع الدستوري العراقي في الدستور الصادر عام 2005 حيت ورد النص في الماده 97 (يحظر النص في القوانين على تحصين اي عمل او قرار اداري من الطعن.)

ومن المهم القول ان قرار محكمة القضاء الاداري كان قابلا للطعن به تمييزا لدى الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة خلال ثلاثين يوما من تاريخ التبلغ به او اعتباره مبلغا حتى أصدر مجلس الوزراء – بعد موافقة مجلس الرئاسة – وحسب صلاحياته التشريعية الأمر المرقم (30) لسنة 2005 في 24/2/2005قانون المحكمة الاتحادية العليا الذي جعل من اختصاصها النظر في الطعون المقدمة في احكام محكمة القضاء الاداري حيث نصت المادة (1) منه على (تنشأ محكمة تسمى المحكمة الاتحادية العليا ،ويكون مقرها في بغداد تمارس مهامها بشكل مستقل لا سلطان عليها لغير القانون).

وقد نصت المادة الرابعة من القانون على اختصاصات المحكمة وهي :

( أولا" : الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية .

ثانيا" : الفصل في المنازعات المتعلقة بشرعية القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والأوامر الصادرة من أية جهة تملك حق إصدارها وإلغاء التي تتعارض منها مع أحكام قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ويكون ذلك بناء" على طلب من محكمة أو جهة رسمية أو من مدع بمصلحة .

ثالثا" : النظر في الطعون المقدمة على الأحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري .

رابعا" : النظر بالدعاوى المقامة أمامها بصفة استئنافية وينظم اختصاصها بقانون اتحادي ). بعد صدور الدستور ونفاذه أورد بعض المتغيرات على تشكيل المحكمة عما كانت عليه في قانونها رقم (30) لسنة 2005. أضاف الدستور اختصاصات جديدة فأصبحت اختصاصاتها كما هو وارد في المادتين ( 52/ثانياً ) و (93). ([77]) وبصدور هذا القانون اصبح الطعن باحكام محكمة القضاء الاداري امام المحكمة الاتحادية العليا خلال ثلاثين يوما من تاريخ التبلغ به او اعتباره مبلغا ويكون قرار المحكمة غير المطعون فية وقرار المحكمة الاتحادية العليا الصادر نتيجة الطعن باتا .

وفي الجزء التالي من الدراسة نبحث في دعوى الالغاء امام محكمة القضاء الاداري ومجلس الانضباط العام وشروط اقامتها ومواعيدها.

الباب الثالث

قضاء الإلغاء

تعريف دعوى الإلغاء:

دعوى الإلغاء هي دعوى قضائية ترفع إلى القضاء لإعدام قرار إداري صدر بخلاف ما يقضي به القانون وتسمى أيضاً دعوى تجاوز السلطة وتعد من أهم وسائل حماية المشروعية .

وقد كان للقضاء الفرنسي الريادة في إنشاء دعوى الإلغاء،([78]) وكان مجلس الدولة صاحب الولاية العامة بنظر الدعاوى الإدارية منذ عام 1872 وبسبب تزايد الطعون المقدمة إلى المجلس أصدر الإصلاح التشريعي في 30 سبتمبر 1953 الذي جعل مجلس الدولة صاحب الولاية العامة بنظر الدعاوى الإدارية التي لم يمنح القانون اختصاص النظر فيها إلى محاكم إدارية أخرى ويمكن استئناف أحكام المحاكم الإدارية أمام مجلس الدولة الفرنسي إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك .

ومن ثم فإن دعوى الإلغاء في فرنسا تنظر على درجتين تعرض الأولى أمام المحاكم الإدارية والدرجة الثانية تعرض أمام مجلس الدولة أمام مجلس الدولة بوصفه محكمة الاستئناف .

أما في مصر فإن دعوى الإلغاء ظهرت بنشؤ مجلس الدولة بمقتضى القانون رقم 112 لسنة 1946 وكانت محكمة القضاء الإداري تختص دون غيرها في الفصل في دعاوى إلغاء القرارات الإدارية، ولما أنشأت المحاكم الإدارية والتأديبية أسهمت مع محكمة القضاء الإداري بنظر دعوى الإلغاء كلاً حسب اختصاصها وتنظر المحكمة الإدارية العليا في مصر دعوى الإلغاء عندما يقدم إليها الطعن في أحكام محكمة القضاء الإداري بينما تنظر محكمة القضاء الإداري في الطعون التي ترفع إليها في الأحكام الصادرة من المحاكم الإدارية . ([79])

وعلى ذلك فإن دعوى الإلغاء تنظر في مصر على درجتين أيضاً الدرجة الأولى أمام محاكم القضاء الإداري أو المحاكم الإدارية كل حسب اختصاصها، والدرجة الثانية عندما تفصل المحكمة الإدارية العليا في الطعون المقدمة إليها من محاكم القضاء الإداري وعندما تفصل الأخيرة في الطعون المقدمة إليها من المحاكم الإدارية .

أما في العراق فقد نشأت دعوى الالغاء بنشوء القضاء الاداري بصدور القانون رقم 106 لسنة 1989 (قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 ) لتختص بالنظر في صحة الاوامر والقرارات الادارية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في دوائر الدولة والتعويض عنها. وكانت محكمة القضاء الاداري في محلس شورى الدولة تختص بقضاء الالغاء بصفتها قاضي اول درجه وقد اجاز القانون الطعن بقرار محكمة القضاء الاداري تمييزا لدى الهيئة العامة لمجلس شورى الدوله ( المادة 7 /ثانيا/ط) . الا انه واستنادا" للمادة 44 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية والقسم الثاني من ملحقه وبناءا" على موافقة مجلس الرئاسة أصدر مجلس الوزراء قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 الذي منح المحكمة الاتحادية العليا في العراق اختصاص النظر في الطعون المقدمة على الأحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري.

طبيعة دعوى الالغاء :

دعوى الالغاء دعوى موضوعية أو عينية تقوم على مخاصمة القرار الاداري غير المشروع ، وهي موجهة ضد القرار الاداري ويتعين لقبول الدعوى ان يكون القرار قائماً ومنتجاً لاثاره عند اقامة الدعوى ([80]).

وقد ذهب جانب من الفقه الفرنسي إلى أن دعوى الإلغاء ليست دعوى بين أطراف ولكنها دعوى موجهة ضد قرار وأنه إذا كان هناك مدع في إجراءات دعوى الإلغاء فأنه لا يوجد بالمعنى الدقيق للكلمة مدعى عليه، وهو كما بينا مما يميز دعوى الإلغاء من دعوى القضاء الكامل التي تتعلق بتأثير القرار في مركز قانوني شخصي فتكون الدعوى شخصية في هذه الصورة .

كما تتميز دعوى الإلغاء في أن الحكم فيها يتمتع بحجية قبل الكافة فإذا تضمن الحكم إلغاء القرار الإداري موضوع الدعوى فتعتبر جميع الإجراءات والتصرفات القانونية والإدارية التي تمت بموجبه ملغاة من تاريخ صدور ذلك القرار .

ومن الجدير بالذكر ان سلطة القاضي في دعوى الالغاء تنحصر في التحقق من صحة ومشروعية القرار الاداري ومدى موافقته للقانون فأذا رفع احد الافراد الى القضاء الاداري بطلب الغاء قرار اداري فأن هذة الدعوى تخول القاضي فحص مشروعية القرار الاداري فاذا تبين مخالفته للقانون حكم بالغائه ولكن دون ان يمتد حكمه الى أكثر من ذلك ، فليس له تعديل القرار المطعون فيه أو أستبدال غيره به . وعلى هذا الاساس يكون قضاء الالغاء على عكس القضاء الكامل الذي يخول للقاضي سلطات كاملة لحسم النزاع ، فالقاضي لايقتصر على الغاء قرار غير مشروع ، وانما يرتب على الوضع غير المشروع جميع نتائجه القانونية لانه يتعلق بالحقوق الشخصية لرافع الدعوى فله ان يحكم بالغاء القرار و التعويض عن الاضرار التي ألحقها بالمدعي ومن ذلك المنازعات المتعلقة بقضاء التعويض عن اعمال الادارة الضاره

كما يتمتع الحكم في دعوى الالغاء بحجية مطلقة في مواجهة الكافة في الوقت الذي يكون فيه الحكم في دعوى القضاء الكامل ذو حجية نسبية تقتصر على اطراف النزاع .

وقد اجاز المشرع العراقي في المادة السابعة من قانون مجلس شورى الدولة الجمع بين دعوى الالغاء والقضاء الكامل في طلب واحد فيكون التعويض تابعاً للألغاء ان كان له مقتضى, ومن ثم لا تختص محكمة القضاء الاداري بالنظر في طلبات التعويض اذا رفعت اليها بصفه اصلية وانما يختص بها القضاء العادي.

وقد استقر العمل على أن يقدم المشرع على تحديد ميعاد يتوجب خلاله رفع دعوى الالغاء لمسوغات عملية وقانونية يمتنع على الافراد طلب الالغاء بعد انقضائها وهي شهران في القانون الفرنسي وستون يوماً في القانون المصري وستين يوما من تاريخ البت في التظلم او من تاريخ انتهاء الثلاثين يوما الواجب على الادارة البت فيه اذا امتنعت عن ذلك في العراق . في حين لايتقيد الطاعن في دعوى القضاء الكامل بهذة المواعيد القصيرة وانما يخضع لمدد التقادم العادية.

الفصل الاول

شروط قبول دعوى الإلغاء

يجب توفر بعض الشروط لقبول دعوى الإلغاء حتى يتمكن القضاء من نظر الدعوى ومخاصمة القرار الإداري، فإذا لم توفر هذه الشروط كلها أو بعضها حكم القاضي بعدم قبول الدعوى دون النظر في موضوعها.

وللبحث في شروط قبول دعوى الإلغاء نتناول بالدراسة الأمور الآتية:

الشروط المتعلقة بالعمل الإداري المطعون فيه .

الشروط المتعلقة برافع الدعوى .

الشرط الخاص بتظلم صاحب الشأن

الشروط المتعلقة بميعاد رفع الدعوى .

المبحث الأول

الشروط المتعلقة بالعمـل الإداري

عندما تمارس الإدارة نشاطها فإنها تعمد إلى نوعين من الأعمال يسمى النوع الأول الأعمال المادية وهي تلك الأعمال التي تجريها الهيئات الإدارية ولا تهدف من جرائها إلى أحداث آثار قانونية مباشرة، أما النوع الثاني فيسمى بالأعمال والتصرفات القانونية وهي تلك الأعمال التي تجريها الإدارة وتقصد بها أحداث آثار قانونية، أما بخلق مراكز قانونية جديدة أو جراء تعديل في المراكز القانونية القائمة أو إنهائها .

وهذه التصرفات القانونية تتخذ مظهرين الأول يتمثل بالأعمال القانونية الصادرة عن الإدارة بالاشتراك مع بعض الأفراد أو بالهيئات الإدارية الأخرى في ظل ما يسمى بعقود الإدارة وينطوي النوع الثاني عن التصرفات التي تقوم بها الإدارة من جانب واحد بإرادتها المنفردة وتشمل القرارات الإدارية .

والقرارات الإدارية هي موضوع دعوى الإلغاء فإذا انتفى القرار الإداري أضحى من غير الممكن قبول الدعوى دون الحاجة للبحث في الشروط الأخرى .

وعلى ذلك نجد أن من المناسب البحث في موضوع القرار الإداري وتمييزه عما قد يختلط به .

المطلب الأول: تعريف القرار الإداري

نال موضوع القرار الإداري عناية الكثير من الفقهاء، كما أسهم القضاء الإداري في الكشف عن الكثير من ملامحه، ومع اختلاف تعريفات الفقه والقضاء للقرار الإداري من حيث الألفاظ فأنه ينم عن مضمون واحد .

فقد عرفه العميد " دوجي " بأنه كل عمل إداري يصدر بقصد تعديل الأوضاع القانونية كما هي قائمة وقت صدوره أو كما تكون في لحظة مستقبلة معينة .

وعرفه "بونار" بأنه كل عمل إداري يحدث تغييراً في الأوضاع القانونية القائمة.([81])

أما في الفقه العربي فقد عرفه الدكتور " سامي جمال الدين " بأنه تعبير عن الإرادة المنفردة لسلطة إدارية بقصد أحداث أثر قانوني معين . ([82])

وجاء في تعريف الدكتور " ماجد راغب الحلو " بأن القرار الإداري هو إفصاح عن إرادة منفردة يصدر عن سلطة إدارية ويرتب أثاراً قانونية . ([83])

اما في العراق فقد جاء في تعريف الدكتور " شاب توما منصور " بأن القرار الإداري هو عمل قانوني يصدر عن السلطة الإدارية من جانب واحد ويحدث اثراً قانونيا . ([84])

في حين عرفة القضاء الإداري المصري بانه أفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضي القوانين واللوائح بقصد أحداث أثر قانوني معين ابتغاء مصلحة عامة . ([85])

المطلب الثاني: تمييز القرار الإداري عن أعمال الدولة الأخرى

تمارس الدولة وفقاً لمبدأ الفصل بين سلطات ثلاثة مهام أو وظائف هي الوظيفة التشريعية والوظيفة القضائية والوظيفة التنفيذية، فالوظيفة التشريعية تتضمن مهمة وضع القواعد السلوكية العامة والمجردة وتختص بممارسة السلطة التشريعية، أما الوظيفة القضائية فتتضمن الفصل في المنازعات وتختص بها السلطة القضائية، أما الوظيفة التنفيذية فتختص بها السلطة التنفيذية .

غير أن هذا المبدأ لا يعنى الفصل التام بين هذه السلطات إذ لا تقتصر كل جهة على ممارسة وظيفة خاصة وإنما تمارس بعض الأعمال الداخلة أصلاً في نشاط السلطات الأخرى.([86])

فالسلطة التشريعية تمارس عملاً إدارياً عندما تصدر الميزانية والسلطة التنفيذية قد تقوم بالفصل في خصومه عن طريق اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي، بينما يمارس القضاء بعض الاختصاصات الإدارية المتعلقة بموظفي الهيئات القضائية فضلاً عن وظيفته الأصلية في الفصل في المنازعات .

لذلك كان من الواجب تمييز القرار الإداري عن أعمال السلطة التشريعية والسلطة القضائية ثم نبحث في تمييز القرار الإداري عن العمل المادي للإدارة والعقود الإدارية .

أولاً- القرارات الإدارية والأعمال التشريعية:

القرارات الإدارية تقبل الطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري وعلى العكس من ذلك فإن القوانين لا يمكن الطعن فيها إلا بالطريق الدستوري المقرر ([87])، ويتردد الحديث بين معيارين لتحديد صفة العمل تشريعية أم لإدارية .

1. المعيار الشكلي:

وفقاً للمعيار الشكلي أو العضوي يتم الرجوع إلى الهيئة التي أصدرت العمل أو الإجراءات التي اتبعت في إصداره دون النظر إلى موضوعه، فإذا كان العمل صادراً من السلطة التشريعية فهو عمل تشريعي، أما إذا كان صادراً من إحدى الهيئات الإدارية بوصفها فرعاً من فروع السلطة التنفيذية فهو عمل إداري .

ومن ثم يمكن تعريف العمل الإداري وفق هذا المعيار بأنه كل عمل صادر من فرد أو هيئة تابعة للإدارة أثناء أداء وظيفتها .

فهذا المعيار يقف عند صفة القائم بالعمل دون أن يتعدى ذلك إلى طبيعة العمل ذاته، وهو معيار سهل التطبيق لو التزمت كل سلطة بممارسة نشاطها وأخذت بمبدأ الفصل التام بين السلطات، إلا أن طبيعة العمل تقتضي في أحيان كثيرة وجود نوع من التداخل والتعاون بين السلطات مما دعى بالفقه إلى البحث عن معيار آخر للتمييز بين القرارات الإدارية والأعمال التشريعية .

2. المعيار الموضوعي:

يعتمد المعيار الموضوعي على طبيعة العمل وموضوعه بصرف النظر عن الجهة التي أصدرته أو الإجراءات التي اتبعت في إصداره فإذا تمثل العمل في قاعدة عامة مجردة فأنشأ مركزاً قانونياً عاماً اعتبر عملاً تشريعياً أما إذا تجسد في قرار فردي يخص فرداً أو أفراداً معينين بذواتهم فأنشأ مركزاً قانونياً خاصاً اعتبر عملاً إدارياً . ([88])

وينقد أنصار هذا الاتجاه المعيار الشكلي لأنه يقف عند الشكليات وعدم الاهتمام بطبيعة العمل وجوهره، ويأتي في مقدمة أنصار الاتجاه الموضوعي الفقيه دوجي وبونار وجيز .

ويؤمن هؤلاء الفقهاء بأن القانون يقوم على فكرتين أساسيتين هما فكرتا المراكز القانونية والأعمال القانونية : ([89])

1. المراكز القانونية: وهي الحالة التي يوجد فيها الفرد إزاء القانون وتقسم إلى قسمين :

أ- المراكز القانونية العامة أو الموضوعية : وهو كل مركز يكون محتواه واحد بالنسبة لطائفة معينة من الأفراد، فترسم حدوده ومعالمه قواعد مجردة متماثلة لجميع من يشغلون هذا المركز ومثله مركز الموظف العام في القانون العام والرجل المتزوج في القانون الخاص .

ب- المراكز القانونية الشخصية أو الفردية : وهي المراكز التي يحدد محتواها بالنسبة لكل فرد على حده، وهي بهذا تختلف من شخص إلى آخر ولا يمكن أن يحدد القانون مقدماً هذه المراكز لأنها تتميز بـأنها خاصة وذاتية ومثله مركز الدائن أو المدين في القانون الخاص ومركز المتعاقد مع الإدارة في القانون العام .

2. الأعمال القانونية : وتمتاز بأنها متغيرة ومتطورة بحسب الحاجة ويتم هذا التغيير أما بإرادة المشرع أو بإرادة شاغلها ويقسم " دوجي " هذه الأعمال إلى ثلاثة أقسام :

أ- أعمال مشرعة: وهي كل عمل قانوني ينشئ أو يعدل أو يلغى مركزاً قانونياً عاماً أو موضوعياً ومن هذه الأعمال القوانين المشرعة واللوائح والأنظمة، والتي تتضمن قواعد تنظيمية عامة وغير شخصية .

ب- أعمال شخصية أو ذاتية: وهي الأعمال القانونية التي تنشئ أو تتعلق بمراكز شخصية لا يمكن تعديلها إلا بإرادة أطرافه وأوضح مثال على هذه الأعمال العقود .

جـ- أعمال شرطية: وهي الأعمال الصادرة بصدد فرد معين وتسند إليه مركزاً عاماً، فهي تجسيد لقاعدة عامة على حالة أو واقعة فردية، ومثاله في القانون العام قرار التعيين في وظيفة عامة، فهذا القرار يعد عملاً شرطياً لأنه لا ينشئ للموظف مركزاً شخصياً، لأن هذا المركز كان قائماً وسابقاً على قرارا التعيين .

ويخلص " دوجي " الى ان العمل التشريعي هو الذي يتضمن قاعدة عامة موضوعية " قوانين أو اللوائح " بغض النظر عن الهيئة أو الإجراءات المتبعة لإصداره، في حين يعد إدارياً إذا اتسم بطابع الفردية وهذا يصدق على القرارات والأعمال الفردية والأعمال الشرطية . ([90])

ويبدو أن المشرع والقضاء الفرنسيان يأخذان بالمعيار الشكلي فالأصل أن لا يقبل الطعن بالإلغاء ضد أعمال السلطة التشريعية سواء في القوانين أو القرارات الصادرة من البرلمان، واعتمد المشرع على ذلك في الأمر الصادر في 31/7/1945 المنظم لمجلس الدولة، إذ نص على أن محل الطعن بسبب تجاوز السلطة هو الأعمال الصادرة من السلطات الإدارية المختلفة .

إلا أن القضاء الفرنسي لجأ في بعض الحالات إلى الأخذ بالمعيار الموضوعي للتمييز بين الأعمال الإدارية والأعمال التشريعية قابلاً الطعن بالإلغاء في أعمال البرلمان المتعلقة بتسيير الهيئة التشريعية كاللوائح الداخلية للبرلمان والقرارات الصادرة بتعيين موظفيه، لا سيما بعد صدور الأمر النظامي في 17/11/1958 الذي سمح لموظفي المجالس برفع المنازعات ذات الطابع الفردي إلى القضاء الإداري . ([91])

وهو الاتجاه الذي اعتمده القضاء الإداري المصري فهو وأن اعتمد المعيار الشكلي قاعدة عامة في الكثير من أحكامه إلا انه اعتبر في أحكام أخرى القرارات الصادرة من مجلس الشعب بإسقاط عضوية أحد أعضاءه عملاً إدارياً يقبل الطعن فيه بالإلغاء . ([92])

اما في العراق فأن اختصاص محكمة القضاء ينحصر بنظر طلبات الإلغاء المتعلقة بالقرارات الإدارية ولا يمتد اختصاصها للبحث في مشروعية أعمال السلطة التشريعية أخذاً بالمعيار الشكلي في التمييز بين أعمال السلطة التشريعية والقرارات الإدارية, ومن مقتضيات اعتماد القضاء الاداري في العراق المعيار الشكلي انه لا يجوز الطعن امامه في الاعمال التشريعيه الصادرة من البرلمان عموما و بغض النظر الطبيعة الحقيقية للعمل وهي نتيجة غير مقبولة في ضوء الكم الكبير من الاعمال ذات الطبيعة الادارية الصادرة من البرلمان لاسيما تلك المتعلقة بشؤون اعضائة .

مما قاد نحو الاعتماد على المعيار المزدوج الذي لا يعد العمل تشريعيا لمجرد انه صادر من السلطه التشريعية مالم يتضمن قاعدة عامه مجرده .

أما التصرفات الأخرى التي يباشرها خارج نطاق التشريع فهي ذات طبيعة إدارية تخضع لرقابة المشروعية وتدخل ضمن ولاية القضاء الإداري باعتبارها قرارات إدارية ومن مقتضيات هذا المعيار ايضا انه ليس جل مايصدر من الادارة قرار اداري, ففي حكم حديث لمحكمة القضاء الاداري ذهبت الى عدم اختصاصها بنظر في قرار ايقاع الحجز على المصوغات الذهبية الصادراستنادا قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 120 في 30-10-1996 لان المحكمة تختص بالنظر في صحة الاوامر والقرارات الادارية التي تصدر عن الموظفين والهيئات في دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي ولاتختص بالنظر بقرار مجلس قيادة الثورة والذي له قوة القانون وليس قرارا اداري .[93]

ثانياً- القرارات الإدارية والأعمال القضائية:

يشترك القضاء مع الإدارة في سعيهما الحثيث نحو تطبيق القانون وتنفيذه على الحالات الفردية، فهما ينقلان حكم القانون من العمومية والتجريد إلى الخصوصية والواقعية وذلك بتطبيقه على الحالات الفردية . ([94])

ويظهر التشابه بينهما أيضا في أن الإدارة شأنها شأن القضاء تسهم في معظم الأحيان بوظيفة الفصل في المنازعات من خلال نظرها في تظلمات الأفراد وفي الحالتين يكون القرار الإداري الصادر من الإدارة والحكم القضائي الصادر من السلطة القضائية أداة لتنفيذ القانون .

ومع هذا التقارب سعى الفقه والقضاء إلى إيجاد معيار للتمييز بين العمل القضائي والعمل الإداري لخطورة النتائج المترتبة على الخلط بينهما، فالقرارات الإدارية يجوز بصورة عامة إلغاؤها وتعديلها وسحبها، أما الأحكام القضائية فطرق الطعن فيها محددة تشريعياً على سبيل الحصر .

وبرزت في مجال التمييز بين القرارات الإدارية والأعمال القضائية نظريات عدة يمكن حصرها في ضمن معيارين :

1. المعيار الشكلي:

يقوم هذا المعيار على أساس أن العمل الإداري هو ذلك العمل أو القرار الذي يصدر عن فرد أو هيئة تابعة لجهة الإدارة بصرف النظر عن مضمون وطبيعة العمل أو القرار ذاته، بينما يعد العمل قضائياً إذا صدر عن جهة منحها القانون ولاية القضاء وفقاً لإجراءات معينة، بصرف النظر عن مضمون وطبيعة العمل .

وهذا المعيار منتقد من حيث أنه ليس جل الأعمال القضائية أحكاماً، بل أن منها ما يعد أعمالاً إدارية بطبيعتها، ومن جانب آخر نجد أن المشرع كثيراً ما يخول الجهات الإدارية سلطة الفصل في بعض المنازعات فيكون لهذه الجهات اختصاص قضائي .

وعلى هذا الأساس فإن المعيار الشكلي لا يكفي لتمييز الأعمال الإدارية عن الأحكام القضائية .

2. المعيار الموضوعي:

المعيار الموضوعي أو المادي يقوم على أساس النظر في موضوع وطبيعة العمل نفسه دون اعتبار بالسلطة التي أصدرته، واعتمد هذا المعيار عناصر عدة يتم من خلالها التوصل إلى طبيعة ومضمون العمل، فيكون العمل قضائياً، إذ تضمن على " إدعاء بمخالفة القانون، وحل قانوني للمسألة المطروحة يصاغ في تقرير، وقرار هو النتيجة الحتمية للتقرير الذي انتهي إليه القاضي " . ([95])

في حين يكون العمل إدارياً إذا صدر من سلطة تتمتع باختصاص تقديري وليس من سلطة تتمتع باختصاص مقيد كما في أحكام القضاء، وأن يصدر بشكل تلقائي وليس بناءً على طلب من الأفراد وأن يكون الغرض من العمل إشباع حاجات عامة.

ولا شك أن هذه العناصر لا تكفي لتمييز الأعمال الإدارية عن أعمال القضاء، لأن الكثير من قرارات الإدارة إنما يصدر عن اختصاص مقيد، وكثيراً منها لا يصدر إلا بطلب من الأفراد.

والإدارة عندما تفصل في المنازعات باعتبارها جهة ذات اختصاص قضائي إنما يقترب نشاطها من نشاط القضاء ويهدف إلى حماية النظام القانوني للدولة.

إزاء ذلك نشأ معيار مختلط يقوم على أساس المزج بين المعيارين الشكلي والموضوعي إذ ينظر إلى طبيعة العمل من ناحية، والشكل الذي يظهر فيه العمل والإجراءات المتبعة لصدوره من ناحية أخرى .

والمتتبع لأحكام مجلس الدولة في فرنسا يجد أنه يأخذ في الغالب بالمعيار الشكلي لتمييز العمل القضائي عن القرار الإداري إلا أنه يتجه في بعض الأحيان إلى المعيار الموضوعي فهو يمزج بين المعيارين الشكلي والموضوعي لأن العمل القضائي الذي لا يعد قراراً إدارياً ولا يخضع للطعن أمام القضاء الإداري لا يشمل حتماً كل ما يصدر عن الجهة القضائية . ([96])

ويبدو أن القضاء الإداري المصري قد واكب هذا الاتجاه فقد قضت محكمة القضاء الإداري : " أن شراح القانون العام قد اختلفوا في وضع معايير التفرقة بين القرار الإداري والقرار القضائي فمنهم من أخذ بالمعيار الشكلي، ويتضمن أن القرار القضائي هو الذي يصدر من جهة منحها القانون ولاية القضاء، ومنهم من أخذ بالمعيار الموضوعي وهو ينتهي إلى أن القرار القضائي هو الذي يصدر في خصومة لبيان حكم القانون فيها و بينما رأى آخرون أن يؤخذ بالمعيارين معاً – الشكلي والموضوعي – وقد اتجه القضاء في فرنسا ثم في مصر إلى هذا الرأي الأخير وعلى أن الراجح هو الأخذ بالمعيارين معاً مع بعض الضوابط، وبيان ذلك أن القرار القضائي يفترق عن القرار الإداري في أن الأول يصدر من هيئة قد استمدت ولاية القضاء من قانون محدد لاختصاصها مبين لإجراءاتها وما إذا كان ما تصدره من أحكام نهائياً أو قابلاً للطعن مع بيان الهيئات التي تفصل في الطعن في الحالة الثانية وأن يكون هذا القرار حاسماً في خصومة، أي في نزاع بين طرفين مع بيان القواعد التي تطبق عليه ووجه الفصل فيه".([97])

ومن الجدير بالذكر انة ينحصر اختصاص محكمة القضاء بنظر طلبات الإلغاء المتعلقة بالقرارات الإدارية ولا يمتد اختصاصها للبحث في مشروعية أعمال السلطة القضائية أخذاً بمبدأ استقلال القضاء و بالمعيار الشكلي في التمييز بين أعمال السلطة القضائية والقرارات الإدارية.

. ويتبين ذلك من توجه محكمة القضاء الإداري في العراق حيث قضت ( ومن جهة أخرى وجد أن الطعن في هذه الدعوى ينصرف في حقيقته إلى حكم جزائي واجب التنفيذ ليس للقضاء الإداري ولاية عليه مما يكون طعن المدعيين في هذه الدعوى غير معتبر، عليه واستناداً إلى ما تقدم قرر رد الدعوى …).([98])

كما جاء في فتوى لمجلس شورى الدولة أن ( قرار الحجز هو قرار إداري تصدره وفقاً للصلاحيات المخولة لها في حين أن العقوبات السالبة للحرية وهي السجن والحبس والإيداع بالنسبة للأحداث هي قرارات تصدر عن المحاكم المختصة وتأسيسا على ما تقدم يرى المجلس أن قرار الحجز الصادر عن وزير الداخلية لا يعد بمنزلة الحكم القضائي )( [99])

كما اخذت المحكمة الاتحادية العليا بالاتجاة ذاته في الدعوى 10 / اتحادية / 2005 بتاريخ 29 / 5 / 2006 و الذي طلبت فيه محكمة التمييز الاتحادية بموجب النظر في دستورية نص المادة (20/ أولا – ثالثا ) من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 والبت في شرعيته باعتبار ان قرار لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين عمل قضائي ولا يجوز تمييزة امام مجلس شورى الدولة حيث ترى الهيئة العامة - لمحكمة التمييز - وبرأي بان النص المذكور غير دستوري على اساس بان المادة 47 من دستور جمهورية العراق نصت بان تكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات .

وحيث أن مجلس شورى الدولة يرتبط بوزارة العدل ولا يعد من أجهزة السلطة القضائية فهو تابع للسلطة التنفيذية ويتكون من رئيس وأعضاء غالبيتهم المطلقة من غير القضاة وبالتالي فان نظر الطعون من قبل المجلس المذكور يخل بمبدأ الفصل بين السلطات وان المادة 29 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 نصت بان تسري ولاية المحاكم المدنية على جميع الأشخاص الطبيعية والمعنوية بما في ذلك الحكومة وتختص بالفصل في كافة المنازعات إلا ما استثنى بنص خاص وان التشريع المذكور من شانه الإخلال بهذا المبدأ خاصة وان الدستور الدائم وقبله قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية نص على استقلالية القضاء سيما وان المشرع أوجب أن يرأس هيئة قضايا المتقاعدين قاضي منتدب من مجلس القضاء وأعضاء آخرين فلا يجوز النظر تميزا" في القرارات الصادرة منها من قبل هيئة قضائية .

وقد خلصت المحكمة الاتحادية العليا الى مايلي : ( أن الفقرة (أ) من البند أولا" من المادة 20 من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 نصت بتشكيل لجنة تسمى ( لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين ) برئاسة قاضي من الصنف الثاني ينتدبه مجلس القضاء وعضوين من الموظفين القانونيين لا تقل درجتهما عن مدير احدهما من وزارة المالية والآخر من وزارة الدفاع تتخذ قراراتها بالأكثرية وينظر في جميع قضايا التقاعد المعترض عليها الناشئة من تطبيق أحكام القانون المذكور , لذا تجد هذه المحكمة أن هذه اللجنة هي لجنة خاصة شكلت بموجب قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 للنظر في شؤون المتقاعدين من موظفي الدولة من حيث الحقوق التقاعدية وان القرارات التي تصدرها هي قرارات إدارية ذات طبيعة خاصة تغلب عليها الصفة الإدارية وليست قرارات قضائية صرفة بالرغم من أن اللجنة يترأسها قاضي ينتدبه مجلس القضاء لذا فان القرارات التي تصدرها تعتبر قرارات ذات طبيعة خاصة وحيث أن البند أولا" من المادة 20 من قانون التقاعد الموحد عين مرجع الطعن في القرارات التي تصدرها اللجنة المذكورة لدى الهيئة العامة لذا للأسباب المتقدمة فان النص المتقدم المنصوص عليه في البند ثالثا" من المادة 20 من قانون التقاعد الموحد رقم 27 لسنة 2006 لا يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ استقلال القضاء والتدخل في شؤون السلطة القضائية من قبل السلطة التنفيذية ويكون طلب الهيئة العامة لمحكمة التميز المشار إليه أعلاه غير وارد , لذا قرر رد الطلب ) ([100])

ومن ذلك يتبين ان المحكمة الاتجادية العليا قد اعتمدت المعيار الشكلي من خلال عدها القرارات التي تصدرها لجنة تدقيق قضايا المتقاعدين قرارات إدارية ذات طبيعة خاصة تغلب عليها الصفة الإدارية وليست قرارات قضائية بحكم صدورها من جهة ادارية.

ومن مقتضيات اعتماد القضاء الاداري في العراق المعيار الشكلي انه لا يجوز الطعن امامه في الاعمال القضائية الصادره من رجال القضاء والادعاء العام الاان القضاء الاداري لايمكن ان يتجاهل المعيار الموضوعي على سبيل الاستثناء من الأصل العام فتسبغ الصفة الإدارية على أعمال الجهة القضائية ذات الطبيعة الادارية وتجيز الطعن فيها بالإلغاء كتلك القرارت المتعلقة بانظباط موظفي الجهاز القضائي وشؤون خدمتهم استنادا للمعيار المزدوج الذي لا يعد العمل قضائيا لمجرد انه صادر من السلطه القضائية وإنما يشترط فيه أن يفصل في خصومه قانونية أو يتعلق بإجراءات الفصل فيها أو تنفيذ الحكم الصادر بخصوصها .

ثالثاً- القرارات الإدارية والأعمال المادية:

العمل المادي مجرد واقعة مادية غير مؤثرة في المراكز القانونية التي تتصل بها، فإذا كان وجود الأثر القانوني هو معيار القرارات الإدارية، فأن غيبه هذا الأثر تصبح هي معيار الأعمال المادية . ([101])

والأعمال المادية أما أن تكون أفعالاً أدارية أرادتها الإدارة وتدخلت لتحقيقها مثل الإجراءات التنفيذية التي لا تسمو لمرتبة القرار الإداري كهدم المنازل الآيلة للسقوط تنفيذاً لقرار الإدارة بالهدم .

وقد تكون أفعالاً غير إرادية تقع بطريق الخطأ والإهمال مثل حوادث السير يسببها أحد موظفي الإدارة .

والأعمال المادية لا تعتبر من قبيل الأعمال القانونية الإدارية لأنها لا ترتب آثاراً قانونية مباشرة وتخرج هذه الأعمال من نطاق الطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري .

ومن الجدير بالذكر أن عدم اعتبار العمل المادي قراراً إدارياً وأن كان يمنع الطعن فيه بالإلغاء فأنه يصح أن يكون محلاً لمنازعة تختص المحاكم المدنية بنظرها كما يمكن أن يكون محلاً لمنازعة إدارية تمس مصالح الأفراد عندما يكون محلاً لطلب التعويض على أساس دعوى القضاء الكامل .

رابعاً- القرارات الإدارية والعقد الإداري:

بينا أن التصرفات القانونية التي تجريها الإدارة وتقصد بها إلى أحداث الآثار القانونية أما أن تتمثل بالتصرفات التي تقوم بها الإدارة من جانب واحد وبإدارتها المنفردة وتشمل القرارات والأوامر الإدارية .

وأما أن تتمثل بالأعمال القانونية الصادرة عن الإدارة بالاشتراك مع بعض الأفراد بحيث تتوافق الإرادتان وتتجهان نحو إحداث اثر قانوني معين وتلجأ الإدارة إلى إتباع هذا الأسلوب لتحقيق هدفها في إشباع الحاجات العامة، وفق ما يمكن تسميته بعقود الإدارة .

والعقود التي تبرمها الإدارة لا تخضع لنظام قانوني واحد، فهي على نوعين: الأول عقود الإدارة التي تخضع للقانون الخاص والتي تماثل العقود التي يبرمها الأفراد في نطاق القانون الخاص، والنوع الثاني هي العقود الإدارية التي تخضع للقانون العام والتي تبرمها الإدارة باعتبارها سلطة عامة تستهدف تنظيم مرفق عام.

ولم ينص قانون مجلس شورى الدولة على اختصاص محكمة القضاء الاداري بنظر المنازعات المتعلقة بالعقود الإدارية فهي من اختصاص المحاكم العادية ، بحكم أن ولايتها تنحصر بإلغاء القرارات الإدارية والتعويض عنها .

ومع ذلك فقد استقر القضاء الإداري في فرنسا ومصر على أن القرارات الإدارية السابقة على إبرام العقد والممهدة لانعقاده مثل قرارات لجان فحص العطاءات، ولجان البت في العطاءات وقرار استبعاد أحد المتقدمين وقرار إرساء المناقصة أو المزايدة وقرار إلغائها هي قرارات إدارية مستقلة عن العقد يجوز الطعن بها بدعوى الإلغاء . ([102])

وتسمى هذه النظرية بنظرية الأعمال الإدارية المنفصلة Le theorie des actes detachable ومقتضاها أنه يستطيع كل من له مصلحة من الغير أن يطعن بالإلغاء في هذه القرارات، أما المتعاقدون فليس لهم أن يطعنوا في هذه القرارات إلا أمام قاضي العقد .

ومن الجدير بالذكر أن إلغاء القرار الإداري المنفصل عن العقد لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء العقد، فيظل العقد نافذاً و ملزماً لأطرافه إلى أن يفصل القضاء العادي في المنازعة المتعلقة به .

المطلب الثالث: خصائص القرار الإداري المطعون فيه

يجب أن تتوافر في القرار الإداري خصائص عدة لكي يمكن الطعن فيه أمام القضاء الإداري، فلا يمكن قبول الطعن فيه لمجرد أنه قد اكتسب صفة القرار الإداري .

أولاً : أن يصدر القرار من سلطة إدارية وطنية :

يشترط في القرار الإداري أن يصدر من سلطة إدارية وطنية سواء أكانت داخل حدود الدولة أو خارجها من دون النظر إلى مركزية السلطة أو عدم مركزيتها , والعبرة في تحديد ما إذا كانت الجهة التي أصدرت القرار وطنية أم لا ليس بجنسية أعضائها , وإنما بمصدر السلطة التي تستمد منها ولاية إصدار القرار .

ولنكون أمام قرار إداري ينبغي أن يصدر هذا القرار من شخص عام له الصفة الإدارية وقت إصداره ولا عبرة بتغير صفته بعد ذلك , وهو ما يميز القرار الإداري عن الأعمال التشريعية والقضائية التي بيناها وفقاً للمعيار الشكلي , إذ يتم النظر إلى صفة الجهة التي قامت بالعمل والإجراءات المتبعة في إصداره .

ووفقاً لهذا الشرط لا يمكن اعتبار القرارات الصادرة عن أشخاص القانون الخاص قرارات إدارية إلا في حالتين اعترف فيهما القضاء الإداري بالصفة الإدارية للقرارات الصادرة من أشخاص القانون الخاص , تتعلق الحالة الأولى بالقرارات الصادرة عن الموظف الفعلي أو الظاهر , وهو شخص تدخل خلافاً للقانون في ممارسة اختصاصات وظيفة عامة , متخذاً مظهر الموظف القانوني المختص . ([103]) أما في الحالة الثانية فتتعلق بالقرارات الصادرة من ملتزم المرافق العامة . ([104])

ثانياً : صدور القرار بالإدارة المنفردة للإدارة .

يجب أن يصدر القرار من جانب الإدارة وحدها , وهو ما يميز القرار الإداري عن العقد الإداري الذي يصدر باتفاق أرادتين سواء أكانت هاتين الإرادتين لشخصين من أشخاص القانون العام أو كان أحدها لشخص من أشخاص القانون الخاص .

والقول بضرورة أن يكون العمل الإداري صادراً من جانب الإدارة وحدها ليكتسب صفة القرار الإداري لا يعني أنه يجب أن يصدر من فرد واحد , فقد يشترك في تكوينه أكثر من فرد كل منهم يعمل في مرحلة من مراحل تكوينه لأن الجميع يعملون لحساب جهة إدارية واحدة . ([105])

ثالثاً : ترتيب القرار لآثار قانونية .

لكي يكون القرار إدارياً يجب أن يرتب آثاراً قانونية وذلك بإنشاء أو تعديل أو إلغاء مركز قانوني معين , فإذا لم يترتب على العمل الإداري ذلك فإنه لا يعد قراراً إدارياً .

لهذا نجد القضاء الإداري الفرنسي يشترط في القرار المطعون فيه بالإلغاء أن ينتج ضرراً برافع الدعوى . ([106]) ومن ثم تكون له مصلحة في إلغاء هذا القرار ويتطلب توفر عنصرين أساسين للقول بوجود مصلحة للطاعن هما :

1- وجوب تولد آثار قانونية عن القرار المطعون فيه , ومن ثم يجب استبعاد القرارات التي لا يحدث آثاراً قانونية من نطاق دعوى الإلغاء . ([107])

2- أن يحمل القرار قابلية أحداث آثار قانونية بنفسه . ([108])

وبناءً على ذلك فإن الأعمال التمهيدية والتقارير والمذكرات التحضرية التي تسبق اتخاذ القرار لا تعد قرارات إدارية لعدم تحقق هذين العنصرين , ونجد أنه من المناسب أن نبين مضمون بعض هذه الأعمال :

أ- الأعمال التمهيدية والتحضرية : وهي مجموعة من القرارات التي تتخذها الإدارة وتتضمن رغبات واستشارات وتحقيقات تمهيدا لإصدار قرار إداري وهذه الأعمال لا تولد آثاراً قانونية ولا يجوز الطعن فيها بالإلغاء .

ب- المنشورات والأوامر المصلحية : وهي الأعمال التي تتضمن تعليمات وتوجيهات صادرة من رئيس الدائرة إلى مرؤوسيه لتفسير القوانين أو اللوائح وكيفية تطبيقها وتنفيذها , ما دامت هذه المنشورات لم تتعد هذا المضمون أما إذا تضمنت أحداث آثار في مراكز الأفراد فأنها تصبح قرارات إدارية يقبل الطعن فيها بالإلغاء .

ج- الأعمال اللاحقة لصدور القرار : الأصل أن هذه الأعمال لا ترتب آثراً قانونياً لأنها أما أن تكون بمثابة إجراءات تنفيذية لقرارات سابقة فلا يقبل الطعن فيها بالإلغاء لأنها تنصب على تسهيل تنفيذ القرار الإداري السابق , ولا تشير إلى قرارات مستقبلة فلا يكون الأثر المترتب عليها حالاً .

د- الإجراءات الداخلية : وتشمل إجراءات التنظيم للمرافق العامة التي تضمن حسن سيرها بانتظام واطراد , والإجراءات التي يتخذها الرؤساء الإداريون في مواجهة موظفيهم المتعلقة بتقسيم العمل في المرفق وتبصير الموظفين بالطريق الأمثل لممارسة وظائفهم .

وهذا النوع من الإجراءات لا يدخل من ضمن القرارات الإدارية التي يجوز الطعن بها أمام دوائر القضاء الإداري لأنها لا تؤثر في المراكز القانونية للأفراد .

رابعا – ان يكون القرار الاداري نهائياً :

يشترط في القرار الاداري ليكون محلاً لدعوى الالغاء ان يكون قراراً ادارياً نهائياً . ويقصد بالنهائية وفقاً لما هو مستقر في الفقه والقضاء هو عدم خضوع القرار الصادر من الادارة لتصديق جهة اخرى .

وبمعنى آخر ان يكون القرار قد استنفذ جميع المراحل التحضيرية اللازمة لاصداره ، وصدر من السلطة التي تملك البت في امره نهائياً دون ان يكون لازماً لنفاذه وجوب عرضه على سلطة اعلى لاعتماده أو التصديق عليه.

وتختلط الصفة النهائية بالنفاذ ، لان القرار النهائي هو القرار الذي يكون نافذاً بمجرد صدوره ، الا ان النهائية لا تمنع من جواز سحبه من الجهة التي اصدرته أو وقف تنفيذه([109]).وكذلك لايمنع من الطعن في القرار ان تقوم الجهة المختصة باصداره بطلب رأي بعض الجهات على سبيل الاستئناس ما دام لها وحدها في النهاية سلطة التقدير في الامر بغير لزوم من تدخل لاحق من أي سلطة اخرى للتصديق على قرارها([110]).

وعلى ذلك فالقرار الذي يصلح محلاً للطعن بالالغاء يجب ان ينفذ لكي يصبح المركز القانوني الذي يحدثه حالا ومؤثراً اما الاجراءات التنفيذية أو اجراءات التنظيم الداخلي التي لاتؤثر في مركز قانوني ، فلا ينطبق عليها وصف القرار الاداري ([111]).

هذا وقد درج المشرع المصري ([112])، على اشتراط النهائية في القرارات الاداريـة القابلة للطعن بالالغاء . اما في العراق فان المشرع العراقي لم ينص على شرط أن يكون القرار نهائياً غير ان قضاء محكمة القضاء الإداري في العراق يتطلب توافر هذا الشرط , وفي ذلك قضت محكمة القضاء الإداري في حكمها 11/قضاء إداري 1991 الصادر في 26/1/1991 ( قررت المحكمة رد الدعوى حيث لم يكن قراراً نهائياً وحاسماً وحيث أن القرارات الإدارية التي يطعن فيها أمام هذه المحكمة هي فقط القرارات النهائية الحاسمة ).([113])

وقد أيدت الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة قرار محكمة القضاء الإداري المذكور وذلك بقرارها المرقم 40/إداري – تمييز / 1991 الصادر في 24/12/1991 حيث جاء في قرارها (إذ لم تصدر الجهة الإدارية قراراً نهائياً فأن ذلك لا يجوز الطعن فيه أمام محكمة القضاء الإداري لأن القرارات التي يطعن فيها أمامها هي فقط القرارات النهائية الحاسمة )([114]).

خامساً – ان لايكون القرار الاداري محصناً من الطعن بالالغاء .

إن من مظاهر سيادة القانون ان تخضع جميع تصرفات الدولة لرقابة القضاء ، فهو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على حقوق الافراد في مواجهة الدولة بهيئاتها المختلفة التشريعية والتنفيذية ([115]).فالقضاء وحدة يملك تقويم الادارة واجبارها على احترام المشروعية اذا ما حادت عنها ولا شك ان في ذلك ضمانة مهمة لحماية حقوق الافراد وحرياتهم ، تتم من خلال السماح للافراد بالطعن في قرارات الادارة اذا مست مصالحهم طالبين الغائها أو التعويض عنها .

واذا كان الاصل خضوع الادارة لرقابة القضاء فان مستلزمات المصلحة العامة قد قضت بالتخفيف من صرامة المبدأ فسمحت بموازنة مبدأ خضوع الادارة للقانون ، وقد بينا في حديثنا عن مبدأ المشروعية هذا الموضوع بشيء من التفصيل .

الا ان الدول تبالغ احياناً في استبعاد الكثير من القرارات الادارية من الخضـوع للطعن امام القضاء لاعتبارات مختلفة فبالاضافة الى اعمال السيادة التي اخرجها المشرع من رقابة القضاء في قانون السلطة القضائية رقم (26) لسنة 1963 (الملغي) في المادة (4) منه و قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 في مادته العاشرة و القانون رقم (106) لسنة 1989 وهو قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 في مادته السابعة البند خامساً .

فأننا نجد ان المشرع العراقي قد اخرج القرارات الادارية التي تتخذ تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية وفقاً لصلاحياته الدستورية([116]) , كما اخرج العديد من القرارات الخاصة بتطبيق بعض التشريعات من رقابة القضاء ومن خلال تتبع أحكام القضاء نلمس التزامه بتطبيق ما جاءت به تلك التشريعات المانعة فنجده يحكم بعدم قبول كافة الدعاوى التي موضوعها قرارات إدارية منع المشرع القضاء من قبول الطعن فيها بالإلغاء أمامه ، ومن ذلك ما جاء بحكم محكمة القضاء الإداري الصادر في 22/9/2004 (لدى التدقيق والمداولة وجد أن ابن المدعي طالب في الصف الثالث في مدرسة بلاط الشهداء التابعة لتربية بغداد الكرخ / 2 وانه فصل من المدرسة للعام الدراسي 2003 / 2004 بموجب قرار المدرسة المرقم 12 في 28/2/2004 وذلك لتجاوز غياباته المدد المقررة البالغة (26) يوماً وان المدعي اعترض على القرار لدى تربية بغداد الكرخ /2 وزارة التربية دون نتيجة ولدفع وكيله المدعي عليه / إضافة لوظيفته انه بموجب القانون رقم (34) لسنة 1998 قانون وزارة التربية وبالمادة (38) منه منعت المحاكم من سماع الدعاوى التي تقام على وزارة التربية أو الدوائر التابعة لها في كل ما يتعلق بالقبول والانتقال أو الامتحانات أو العقوبات الإنضباطية التي تفرض على التلاميذ والطلاب بسبب الرسوب وكغيره ولكون الوزارة والدوائر كل حسب اختصاصه حق البت في الشكوى التي تنشأ من هذه الأمور عليه ومن كل ما تقدم يتضح أن المدعي سلك طريق الشكوى لدى المدعي عليه وان القانون رقم (34) لسنة 1998 قانون وزارة التربية وبالمادة (38) منه منع المحاكم من سماع الدعاوى التي تقام على وزارة التربية والدوائر التابعة لها أو المدارس أو المعاهد لذا قرر الحكم برد دعوى المدعي )([117]).

ولا شك ان هذة الاستثناءات تتنافى مع مبدأ المشروعية وضرورة خضوع الادارة للقانون وتفتح المجال امام تعسفها وانتهاك حقوق الافراد وحرياتهم. علاوة على عدم دستوريتها فقد نص الدستور العراقي الصادر عام 2005 في الماده 97 (يحظر النص في القوانين على تحصين اي عمل او قرار اداري من الطعن.)

سادسا: ان لايكون للقرار الاداري طريقا خاصا للطعن فيه

اخرج المشرع في القانون رقم 106 لسنة 1989 (قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979). وبعد أن كان منتظرا منه ان يبسط ولاية القضاء الإداري على جميع المنازعات التي تكون الإدارة طرفاً فيها بوصفها سلطة عامة، من اختصاصات محكمة القضاء الاداري العديد من القرارات الادارية مما حد من سلطة القضاء الإداري ,اذ نصت المادة السابعة/ البند خامساً/ الفقرتين جـ من القانون على استبعاد ( القرارات الادارية التي رسم القانون طريقاً للتظلم منها أو الاعتراض عليها أو الطعن فيها).

،

ومن التشريعات التي رسم المشرع طريقا للطعن في القرارات الادارية الناشئة عن تطبيقها قانون الاصلاح الزراعي رقم 17 لسنة 1970 وقانون التقاعد المدني رقم 20 لسنة 1970 وقانون الاستملاك رقم 12 لسنة 1980 الى غير ذلك من تشريعات يحفل بها النظام القانوني عين لها المشرع العراقي مرجعا للطعن فيها امام لجان او مجالس ادارية ذات اختصاص قضائي.

المبحث الثاني

الشروط المتعلقه برافع دعوى الإلغاء

من المسلم به عدم قبول أي دعوى ما لم تكن لرافعها مصلحة من أقامتها، ومتى ما قامت المصلحة عند رفع الدعوى، فلا بد أيضاً من أن تتوافر فيه أهلية المخاصمة لدى القضاء .

المطلب الأول: شرط المصلحة

المصلحة شرط أساسي لقبول الدعاوى كافة ومنها دعوى الإلغاء أمام محكمة القضاء الاداري، تعرف المصلحة عموماً بأنها (الفائدة أو المنفعة التي يمكن أن يحصل عليها رافعها في حالة إجابته إلى طلبه )([118]) ومن المستقر قضاءً أنه لا يقبل أي طلب أو دفع لا يكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون.

إلا أن المصلحة في دعوى الإلغاء تتميز عن تلك التي تتطلبها الدعاوى العادية أمام المحاكم العادية أو دعوى القضاء الكامل .

أولاً- طبيعة المصحة في دعوى الإلغاء:

إذا كان المستقر في قوانين المرافعات أن المصلحة التي تبرر قبول الدعوى يجب أن تستند إلى حق اعتدى عليه أو مهدد بالاعتداء عليه، فأن المصلحة في دعوى الإلغاء لا يشترط فيها أن تستند إلى حق لرافعها اعتدت عليه الإدارة أو هددت بالاعتداء عليه .

فقد درج الفقه والقضاء الإداريان على أنه يكفي لقبول دعوى الإلغاء توفر شرط المصلحة الشخصية مباشرة دون الاستناد إلى حق مكتسب للطاعن كما هو الشأن في القضاء المدني .

وعدم اشتراط استناد المصلحة في دعوى الإلغاء إلى حق للطاعن أدى إلى اتساع ميداينها بوصفها دعوى موضوعية تخاصم القرارات الإدارية غير المشروعة، بقصد حماية مبدأ المشروعية . ([119])

وعزز هذا الاتجاه أن المشرع الفرنسي في القانون الأساسي الذي نظم مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 24/2/1872، وفي القانون الحالي في للمجلس لم يشترط توفر المصلحة لدى الطاعن في دعوى الإلغاء ثم ليس للقضاء أن يقيد الدعوى بهذا الشرط، مما دفع جانب من الفقه إلى القول بأن دعوى الإلغاء دعوى حسبة . ([120])

غير أن جانب أخر منهم ذهب إلى أن صمت المشرع الفرنسي عن اشتراط المصلحة في دعوى الإلغاء يعود إلى أنه قد ترك لقضاء مجلس الدولة أمر تنظيم دعوى الإلغاء، فهذه الدعوى في معظم أحكامها هي من خلق القضاء . ([121])

وأياً كان الأمر فأن القضاء الإداري في فرنسا و مصر و العراق قد اشترط توافر المصلحة لدى الطاعن بالإلغاء لقبول دعواه .

ثانياً- أوصاف المصلحة في دعوى الإلغاء:

يشترط القضاء توافر أوصاف معينة في المصلحة حتى يتم قبول دعوى الإلغاء، وتتحدد هذه الأوصاف في ضرورة أن تكون هذه المصلحة شخصية ومباشرةً من ناحية وأن تتعلق بمصلحة مادية أو أدبية من ناحية أخرى .

وقد اشترط المشرع العراقي في المادة السابعة من قانون مجلس شورى الدولة أن يكون الطعن المقدم إلى محكمة القضاء الإداري من (ذي مصلحة معلومة وحالة وممكنة ) .

1. المصلحة الشخصية المباشرة:

اتفق الفقه والقضاء على أن المصلحة المبررة لقبول دعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري لابد أن تكون مصلحة شخصية فلا تقبل الدعوى من شخص لا مصلحة له في إلغاء القرار الإداري، مهما كانت صلته بصاحب المصلحة .

فالمصلحة الشخصية هي سند قبول دعوى الإلغاء وهي غايتها، وما تحقيق المشروعية في القرار محل الطعن سوى تأكيد هذه المصلحة وحمايتها . ([122])

وتتضح المصلحة الشخصية من خلال الصلة الشخصية للمدعي بالقرار المطعون فيه والضرر الذي تسببه له، وبمعنى آخر أن يكون الطاعن في حالة قانونية يؤثر فيها القرار المطعون فيه تأثيراً مباشراً .

مع ذلك يجوز أن تتحد المصلحة عند مجموعة من الأفراد وتكون المصلحة شخصية تبرر قبول دعوى الإلغاء، مثلما هو الحال في مصلحة المنتفعين من مرفق عام تقرر إلغاؤه ففي هذه الحالة يجوز أن ترفع دعوى واحدة تجمع هؤلاء الإفراد الذين لا ينتمون إلى طائفة أو جماعة تتمتع بالشخصية المعنوية . ([123])

2. المصلحة المادية والمصلحة الأدبية:

استقر القضاء الإداري على أنه يكفي لقبول دعوى الإلغاء أن يكون للطاعن مصلحة شخصية مباشرة، مادية أو أدبية، ومن الأمثلة على المصلحة المادية " مصلحة الطاعن بإلغاء قرار الإدارة المتعلق بغلق محله التجاري، أو رفضها منحه رخصة مزاولة مهنة معينة " .

وتتمثل المصلحة الأدبية بقرارات الإدارية التي تمس سمعة الموظف واعتباره، عندما يطلب إلغاء قرار تأديبه المقنع على الرغم من أنه أحيل على المعاش بناءً على رغبته([124])، أو كما لو تعلق القرار بغلق مكان للعبادة أو منع ممارسة الشعائر الدينية فيه .

3. المصلحة المحققة والمصلحة المحتملة:

من المتفق عليه أنه يجب أن يكون لرافع الدعوى مصلحة محققة حتى يمكن قبول دعوى الإلغاء، ويتحقق ذلك بصفة عامة إذا حصل ضرر حال بمصلحة الطاعن سواء من الناحية المادية أو الأدبية .

ويظهر الشك عندما تكون المصلحة محتملة وعندما لا يكون الضرر واقعاً فعلاً على الطاعن وإنما يحتمل الوقوع فترفع الدعوى لا لدفع الضرر الذي وقع بالفعل وإنما لتوقي الضرر قبل وقوعه .

وإذا نظرنا إلى اتجاه المشرع في الدعاوى العادية نجده قد توسع في تفسير المصلحة وسمح بقبول المصلحة المحتملة على سبيل الاستثناء لدفع ضرر محدق أو لاستيثاق حق يخشى زوال دليله .

وإذا كان الأمر كذلك في الدعاوى العادية التي تستند فيها المصلحة إلى حق فأن التوسع في شرط المصلحة في دعوى الإلغاء يكون من باب أولى، لا سيما أن انتظار الطاعن حتى تصبح مصلحته محققة فيه مخاطرة من حيث احتمال فوات مدة الطعن وهي قصيرة غالباً . الامر الذي دعى المشرع العراقي الى أجازة قبول المصلحة المحتملة في دعوى الإلغاء صراحة وذلك في الفقرة (د) من المادة السابعة من قانون مجلس شورى الدولة المعدل رقم (65) لسنة 1979 والتي نصت على (بناء على طعن ذي مصلحة معلومة وحالة ممكنة ومع ذلك فالمصلحة المحتملة تكفي إذا كان هناك ما يدعو إلى التخوف من إلحاق ضرر بذوي الشأن) .

ومن جانب آخر فأن دعوى الإلغاء من حيث طبيعتها تنتمي إلى القضاء الموضوعي وتستهدف تحقيق مصلحة عامة وهذه المصلحة محققة دائماً لأن الجماعة يعنيها أن تتم المشروعية على الوجه الأكمل ([125])،وليس في قضاء محكمة القضاء الاداري ما يخالف هذا الاتجاه .

ثالثاً- وقت توفر المصلحة:

لا خلاف في ضرورة توفر المصلحة عند رفع الدعوى وإلا حكم بعدم قبولها، ويظهر الخلاف حول وجوب استمرار المصلحة حتى الفصل في الدعوى .

فقد استقر مجلس الدولة الفرنسي على الاكتفاء بقيام المصلحة وقت رفع الدعوى وعدم اشتراط استمرارها إلى وقت الفصل فيها . فإذا زالت هذه المصلحة يستمر في نظر الدعوى وإصدار حكمه . ([126])

وأيد الفقه هذا التوجه من المجلس على أساس أن دعوى الإلغاء دعوى موضوعية توجه إلى ذات القرار الإداري وتهدف إلى حماية مبدأ المشروعية وسيادة القانون وهي ترفع لتحقيق مصلحة الجماعة بالإضافة إلى المصلحة الخاصة للطاعن .

أما مجلس الدولة المصري فقد تردد في أحكامه إذ أنه أخذ أحياناً بضرورة توفر المصلحة في وقت رفع دعوى ولا يتطلب استمرارها حتى الفصل فيها .

ويعود في أحيان أخرى ليشترط وجود المصلحة واستمرارها لحين الفصل فيها، ويبدو أن هذا الاتجاه هو الغالب قي القضاء الإداري المصري، فقد ذهبت المحكمة الإدارية العليا في حكم لها إلى أنه : " يشترط لقبول دعوى الإلغاء أن يتوافر في رافعها شرط المصلحة ويتعين توافر هذا الشرط من وقت رفع دعوى لحين الفصل فيها " . ([127])

ويؤيد الأستاذ الدكتور سليمان محمد الطماوي هذا الاتجاه فيقول أنه لاعتبارات عملية يفضل المسلك الذي يشترط استمرار المصلحة حتى صدور الحكم في الدعوى لأن ذلك يخفف العبء على كاهل مجلس الدولة من ناحية ولأن رقابة قضاء الإلغاء حديثة نسبياً في مصر من ناحية أخرى . ([128])

وأياً كانت التبريرات فقد جانب هذا الاتجاه الصواب نظراً للطبيعة الموضوعية لدعوى الإلغاء ودورها المهم في الحفاظ على مبدأ المشروعية التي تتطلب استمرار نظر الدعوى وأن زالت المصلحة الشخصية لرافعها أثناء السير فيها لأن هناك مصلحة أخرى تتمثل بحماية مبدأ المشروعية وهذه المصلحة تبقى ولا تزول بزوال الأولى .

ورغم اننا لم نلمس توجة معين من القضاء الاداري في العراق اتجاه هذا الموضوع فأننا نرجو ان يشترط القضاء توافر المصلحة وقت رفعها دون ان يتطلب استمرارها حتى انتهاء الدعوى لما في ذلك من أثر في احترام مبدأ المشروعية وسيادة القانون وتماشياً مع طبيعة دعوى الإلغاء والحجية المطلقة للأحكام الصادرة فيها.([129])

أما حالة سحب الإدارة لقرارها غير لمشروع أثناء سير الدعوى فأن المحكمة تلزم بالتوقف عن الفصل في الدعوى لأن السحب يعدم القرار المطعون فيه منذ صدوره فلم يعد محلاً للطعن فيه وتصبح المصلحة في إلغائه منتفية مما يتأذى معه الحكم بانتهاء الخصومة .

المطلب الثاني: شرط الأهلية

يشترط في الطاعن بالإضافة إلى شرط المصلحة أن يكون أهلاً للتقاضي، فإذا لم يكن أهلاً لمباشرة الدعوى بنفسه لنقص في أهليته، تعين على القاضي رد الدعوى إذ أن صاحب الصفة في إقامتها في هذه الحالة نائبه أو وصيه ويتعين على هذا الأخير أن يبرز الوثائق القانونية التي تثبت أنه يتصرف نيابة عن صاحب المصلحة فاقد الأهلية أو ناقصها قبل مباشرة الدعوى . وقد حدد المشرع العراقي سن الرشد باتمام ثماني عشرة سنة ميلادية. ([130])

وقد أوضحت المادة 46 من القانون المدني العراقي "كل شخص بلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية غير محجور عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية " . ([131])

وإذا كان الطاعن شخص من أشخاص القانون الخاص غير الطبيعية فلا يجوز لها مباشرة حق التقاضي ما لم تكن متمتعة بالشخصية المعنوية . ([132])

أما إذا كان الطاعن في القرار الإداري جهة إدارية فينصرف عندئذ مفهوم الأهلية إلى معنى الاختصاص، ويتولى رفع دعوى تجاوز حدود السلطة الشخص المعنوي الذي يتبع له المرفق العام صاحب المصلحة، وبطبيعة الحال تحدد القوانين واللوائح السلطة المختصة التي يكون لها حق التقاضي باسم الجهة الإدارية .

المبحث الثالث

تظلم صاحب الشأن

يعد أسلوب التظلم الإداري أحد الوسائل التي يمنحها المشرع للأفراد للمطالبة بعدول الإدارة عن قرار اتخذته بحقهم , ومن التشريعات من جعل طريق التظلم الإداري أمرا لابد من سلوكه ابتداءً ، لكي يمكن بعد ذلك قبول الطعون الموجهة ضد القرارات الإدارية أمام القضاء الإداري وهو ما تطلبه المشرع العراقي حينما اشترط لقبول الطعن في القرار الإداري أمام محكمة القضاء الإداري أن يكون الطاعن قد سلك طريق التظلم أمام الإدارة ([133]) .

ويمكن ان نعرف التظلم الإداري بأنه طلب يتقدم به صاحب الشأن إلى الجهة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الجهة الرئاسية لها يطلب فيه إعادة النظر في القرار الإداري بالغائه اوسحبه أو تعديله .

والتظلم قد يكون اختياريا عندما يلجأ إليه صاحب المصلحة لمطالبة الإدارة بإعادة النظر في قرارها دون أن يلزمه القانون بذلك. والتظلم الاختياري هو الأصل في فرنسا ومصر حيث أن القاعدة فيها أن التظلم هو أمر اختياري .

كما قد يكون التظلم وجوبيا عندما يلزم القانون تقديمه إلى الجهة الإدارية صاحبة القرار ويرتب على إغفاله رفض قبول الدعوى. ولا يأخذ المشرع في فرنسا ومصر بالتظلم الوجوبي إلا في حالات استثنائية نصت على وجوب استنفاذهذا لطريق قبل مراجعة القضاء. ([134]).

و في العراق فقد اشترط المشرع العراقي في المادة(7/البند ثانياً / و) من قانون مجلس شورى الدولة المعدل التظلم الوجوبي لدى الجهه الادارية المختصه قبل رفع دعوى الالغاء امام محكمة القضاء الاداري فقد ورد انه (يشترط قبل تقديم الطعن أمام محكمة القضاء الإداري أن يتظلم الطاعن لدى الجهة الإدارية المختصة التي عليها أن تبت في التظلم وفقاً للقانون خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تسجيل التظلم لديها وعند عدم البت في التظلم أو رفضه تقوم محكمة القضاء الإداري بتسجيل الطعن لديها بعد استيفاء الرسم القانوني).

وهذا الاتجاه من المشرع انما اراد به فسح المجال للاداره التي اصدرت القرار او الجهه الرئاسيه لها مراجعة القرار , ومعالجة عيوبه بالغائه او تعديله اذا تبين لها ان القرار معيب او مخالف للقانون . وبذلك ينتهي النزاع بشأنه بطريق ايسر دون حاجة الى التقاضي و اضاعة الوقت والجهد واحراج الادارة امام القضاء.([135])

ونرى ان التظلم الوجوبى الذي اشترطة المشرع العراقي للطعن في القرار الاداري يجعل القرار المطلوب الطعن ضده من قبيل القرارات التمهيدية فلا يجوز الطعن فيه بالالغاء حتى يسلك صاحب الشأن طريق التظلم ومن ثم الطعن في القرار الصادر فيه.

على انه وحتى لاتتمادى الادارة في اطالة مدة النظر في التظلم لدى الادارة فانه يعتبر فوات ثلاثين يوماً من تسجيل التظلم دون ان تجيب عنه السلطات الادارية بمثابة قرار بالرفـض ويكون ميعاد رفع الدعوى في الطعن امام محكمة القضاء الاداري خلال ستين يوماً من تاريخ انقضاء مدة الثلاثين يوماً المذكورة, او من تاريخ رفض التظلم رفضا صريحا .

ومن الجدير بالذكر ان المشرع العراقي لم يلزم صاحب الشأن ان يتظلم من القرار الاداري خلال فترة محددة قبل الطعن في صحة القرار الاداري امام محكمة القضاء الاداري ,بل ترك له الخيار بعد تبلغة او علمه بالقرار الاداري ان يختار وقت تقديم التظلم . وهذا الاتجاة معيب من حيث انه يترك المراكز القانونية معلقة مده طويلة وهذا يتنافى مع الاستقرار الواجب في العمل الاداري .

كما ان المشرع لم يشترط التظلم الوجوبي فيما يتعلق برفع الدعاوى المتعلقة بحقوق الخدمة المدنية امام مجلس الانظباط العام.

غير ان المشرع اشترط قبل الطعن في القرار الاداري الخاص بفرض العقوبة التظلم منه امام الجهة التي اصدرته خلال ثلاثين يوما من تاريخ تبليغ الموظف بقرار فرض العقوبة وعلى هذه الجهه البت في التظلم خلال ثلاثين يوما من تاريخ التظلم وعند عدم البت يعد ذلك رفضا للتظلم يجوز عنده الطعن لدى مجلس الانضباط العام خلال ثلاثين يوما من تاريخ الرفض الصريح او الحكمي للتظلم.([136])

وعلى اي حال وحتى يقوم التظلم بدوره يجب توفر شروط معينة هي :

1- ان يقدم التظلم من صاحب الشأن الذي اثر القرار المتظلم منه في مركزه القانوني أو من نائبه القانوني اذا ما كان ناقص الاهلية .

2- ان يوجه التظلم الى متخذ القرار نفسه وهو ما يعرف بالتظلم الولائي أو يوجه الى رئيس متخذ القرار وهو ما يدعى بالتظلم الرئاسي أو يقدم الى لجنة متخصصة بالنظر في التظلم فيدعى بالتظلم الى اللجان الادارية .

3- يجب ان يكون التظلم من القرار مجدياً . أي ان يكون في وسع الادارة المقدم اليها التظلم تعديل القرار أو الغائه أو سحبه فلا يجوز التظلم من قرار منع القانون التظلم منه .

4- ان يكون التظلم واضحاً ودالاً على القرار المطعون فيه وان يبين مقدمة انه يرغب في الغاء او سحب أو تعديل القرار المتظلم منه وبيان اوجه القصور التي تلحق هذا القرار. اما اذا لم تتضمن عبارات التظلم دعوى الادارة الى العدول عن القرار بأن اكتفى بطلب الشفقة والعطف من الجهة الادارية المختصة فأن هذا لا يعد تظلماً ولا يؤدي الى قطع ميعاد دعوى الالغاء ([137]).

5- ان يقع التظلم على قرار اداري نهائي صدر فعلاً ، فلا يجوز التظلم من الاعمال التحضيرية التي تسبق اصدار القرار او من قرار اداري غير نهائي ([138]).

المبحث الرابع

الشروط المتعلقة بميعاد رفع الدعوى

حرصاً من المشرع على استقرار الأوضاع الإدارية والمراكز القانونية حدد مدداً معينة يتوجب على الطاعن الالتزام بها، وهذه المدد من النظام العام لا يجوز الاتفاق على مخالفتها و ولا يجوز بعد فواتها أن يقبل القضاء الطعن الموجه ضد القرارات إذ تصبح هذه القرارات حصينة على الإلغاء، وعلى المحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعوى إذا ما رفع إليها طعن في قرار إداري بعد فوات هذا الميعاد .

وعندما يحدد المشرع هذه المدة يسعى دائماً إلى التوفيق بين المصلحة الخاصة للطاعن والصالح العام، فالمصلحة الخاصة تقتضي أن يمنح المشرع الأفراد وقتاً كافياً للطعن في القرارات الإدارية، بينما يتطلب الصالح العام أن لا تطول هذه المدة وأن لا تبقي أعمال الإدارة مهددة بالإلغاء وأن تستقر الأوضاع الإدارية وتتحصن القرارات الإدارية لذلك نجد المشرع غالباً ما يعمد إلى تحديد مواعيد قصيرة الأجل .

المطلب الأول: بدء ميعاد الطعن

اختلفت التشريعات في تحديد مدة الطعن في دعوى الإلغاء فقد حددها المشرع الفرنسي في الأمر الصادر في 31/7/1945 الذي أعاد تنظيم مجلس الدولة الفرنسي بشهرين من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه في الجريدة الرسمية أو النشرات التي تعتمدها المصالح أو إعلان صاحب الشأن به . ([139])

وفي مصر نصت المادة 24 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 على أن: " ميعاد رفع الدعوى أمام المحكمة فيما يتعلق بطلبات الإلغاء ستون يوماً من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه في الجريدة الرسمية أو النشرات التي تصدرها المصالح العامة أو إعلان صاحب الشأن " .

أما في العراق فنجد أن الحالة تختلف حيث أن المشرع العراقي لم يحدد سريان ميعاد إقامة دعوى الإلغاء بتاريخ نشر القرار الإداري أو إعلانه (التبليغ) بحسب الأحوال، وإنما حدد هذا السريان من تاريخ تقديم التظلم من قبل صاحب المصلحة حيث أن (المادة 7/ البند ثانياً ف و) من قانون مجلس شورى الدولة المعدل اشترطت قبل إقامة الدعوى أمام محكمة القضاء الإداري أن يتظلم صاحب الطعن لدى الجهة الإدارية المختصة والتي يجب عليها أن تبت في التظلم خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تسجيل التظلم لديها فإذا ما انتهت هذه المدة دون أن تقوم الإدارة بالبت في التظلم عد ذلك رفضاً للتظلم وعلى صاحب المصلحة إقامة دعواه خلال ستين يوماً من تاريخ انتهاء الثلاثين يوماً التي حددها المشرع للإدارة لكي تبت في التظلم وفي حالة عدم مراعاته هذه المدة فان محكمة القضاء الإداري تقرر عدم قبول الدعوى الا ان صاحب الشأن يستطيع المطالبة بالتعويض عن الاضرار التي اصابته من جراء القرار الاداري المعيب امام القضاء العادي ولو انتهت مدة الطعن بالالغاء امام محكمة القضاء الاداري .

وقد بينا سابقا ان المشرع العراقي لم يلزم صاحب الشأن ان يتظلم من القرار الاداري خلال فترة محددة ,بل ترك له الخيار بعد تبلغة او علمه بالقرار الاداري ان يختار وقت تقديم التظلم . وسبق ان بينا ان هذا الاتجاة معيب من حيث انه يترك المراكز القانونية معلقة مده طويلة وهذا يتنافى مع الاستقرار الواجب في العمل الاداري .

أما بالنسبة للطعن في القرارات الخاصة بفرض العقوبات التأديبية أمام مجلس الانضباط العام فان (المادة 15 ف2) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (14) لسنة المعدل 1991 قد أوجب قبل تقديم الطعن لدى المجلس التظلم من القرار لدى الجهة التي أصدرته خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغ الموظف بقرار فرض العقوبة وعلى الجهة المذكورة البت في بالتظلم خلال ثلاثين يوماً فإذا انتهت هذه المدة دون أن تبت فيه عد ذلك رفضاً للتظلم، وفي هذه الحالة فان الفقرة (3) من نص المادة المذكورة تشترط أن يقدم الطعن لدى مجلس الانضباط العام خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغ المتظلم برفض التظلم حقيقة أو حكماً.

في حين لم يستلزم المشرع التظلم من القرارات المتعلقة بحقوق الخدمة المدنية فقد اوجبت المادة (59) من قانون الخدمه المدنية رقم 24 لسنة 1960 الطعن امام مجلس الانضباط العام خلال مدة ثلاثين يوما من تاريخ تبلغ الموظف بالقرار اذا كان داخل العراق وستين يوما اذا كان خارج العراق.

المطلب الثاني: تجاوز ميعاد الطعن بالإلغاء

على الرغم من أن القانون حدد مدة الطعن وجعلها ستين يوماً من تاريخ انتهاء مدة الثلاثين يوما المقررة للبت في التظلم حقيقة او حكما فأن هناك حالات معينة تؤثر في هذا الميعاد وتعمل على إطالته وسنعرض لأهم هذه الحالات . ([140])

أولاً- القوة القاهرة:

القوة القاهرة تحول بين المدعي وبين قدرته على إقامة الدعوى أمام القضاء لذلك استقر القضاء الإداري في مختلف الدول على أن تقف المدة المحددة للطعن ولا يبدأ سريان مدة الطعن بالإلغاء إلا بعد زوال هذه القوة القاهرة .

ويقصد بالقوة القاهرة كل عذر قهري غير متوقع يمنع صاحب المصلحة من رفع دعواه إلى القضاء ولا يكون حصول هذا العذر بسبب خطأ صاحب الشأن .

ويترتب على القوة القاهرة تجميد الميعاد أو وقفه عن السريان وهذا يعني أنه يتعين احتساب المدة السابقة على قيام القوة القاهرة ثم إكمالها بعد زوالها حتى نهاية الميعاد . ([141]) وهو ما يختلف عن انقطاع الميعاد حيث تبدأ مدة جديده للطعن بعد زوال سبب الانقطاع ولا يتم احتساب المدة السابقة علية.

والقضاء هو الذي يحدد توفر أو عدم توفر القوة القاهرة، مستخلصاً ذلك من ظروف كل قضية، وفي هذا المجال قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن المرض العقلي من الأعذار التي ترقى إلى مرتبة القوة القاهرة التي تمنع العامل من مباشرة دعوى الإلغاء في ميعادها القانوني،([142]) كذلك قضت بأن الاعتقال يمثل قوة قاهرة من شأنها أن توقف سريان التقادم . ([143])

وفي هذاالمجال قضت الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة في حكمها الصادر في12/7/2004 بان الحرب وعدم استتباب الامن عذر يقطع مدة الطعن امام محكمة القضاء الاداري فقد ورد :( لدى التدقيق والمداولة وجدت الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة أن الطعن التميزي مقدم ضمن المدة القانونية قررت قبوله شكلاً ولدى عطف النظر في الحكم المميز وجد انه غير صحيح ومخالف للقانون، ذلك أن المدعي(المميز) ... قدم التظلم بتاريخ 18/11/2003 ورد تظلمه بتاريخ 22/11/2003 وأقام الدعوى امام محكمة القضاء الإداري بتاريخ 12/2/2004 ونظراً للظروف غير الاعتيادية التي مر بها القطر خلال المدة من 20/3/ 2003 لغاية 31/12/2003 نتيجة الحرب وما تلاها من أعمال وعدم استتباب الأمن وخطورة التنقل وصعوبة مراجعة المحاكم ودوائر الدولة وحيث سبق للهيئة العامة في مجلس شورى الدولة أن اتخذت قرارات عدة بعدم التقيد بالمدد القانونية للطعن المذكور أعلاه تطبيقاً لقواعد العدالة فكان على المحكمة ملاحظة هذه الجهة واحتساب مدة الستين يوماً لتقديم الطعن بالقرار الإداري الصادر اعتباراً من تاريخ 2/1/2004 باعتبار أن يوم 1/1/2004عطلة رسمية ونظراً لقيام المدعي (المميز) بتقديم طعنه إلى المحكمة في 12/2/2004 فيكون قد أقامها ضمن مدة الستين يوماً المنصوص عليها في البند(ثانياً الفقرة ز) من المادة (7) من قانون مجلس شورى الدولة رقم (65) لسنة1979 وبناءً على ما تقدم قرر نقض الحكم المميز وإعادة الدعوى إلى محكمتها للفصل فيها وفق ما يتراى لها من أسباب )([144])

ثانياً- رفع الدعوى إلى محكمة غير مختصة:

جرى القضاء الإداري في فرنسا ومصر على أن رفع الدعوى أمام جهة قضائية غير مختصة يقطع سريان مدة الطعن أمام القضاء الإداري ([145]) ويستمر هذا الانقطاع حتى صدور حكم بعدم الاختصاص وصيرورته نهائياً حيث يسري الميعاد الجديد. ولا يؤثر هذا الخطأ في الاختصاص في الميعاد إلا مرة واحدة ([146]) والحكمة من هذا الانقطاع في الميعاد لا ترجع إلى أن رافع الدعوى قد كشف عن رغبته في مهاجمة القرار المطعون فيه وإنما لان الدعوى في هذه الحالة هي بمثابة تظلم قدم في الميعاد للإدارة.

ويشترط في رفع الدعوى إلى محكمة غير مختصة حتى يكون صالحاً لقطع ميعاد دعوى الإلغاء أن يتم رفع الدعوى في الميعاد العادي لرفع دعوى الإلغاء أي خلال مدة الستين يوماً من تاريخ نشر القرار أو إعلانه أو العلم به علماً يقينياً.

وكذلك يجب أن يبين رافع الدعوى انه يختصم جهة الإدارة التي أصدرت القرار أو الجهة الإدارية الرآسية لها ويطلب فيها إلغاء القرار أو تعديله، فمن الضروري أن يصل إلى الإدارة طلب المدعى و إلا فلن يكون له اثر قياسياً بالتظلمات المقدمة إلى جهات إدارية مختصة.

ثالثا- طلب المساعدة القضائية:

قد يرغب الفرد بالطعن أمام القضاء الإداري إلا أنه لا يملك مصاريف الدعوى ولكي لا تذهب حقوقه سدى يتقدم بطلب المساعدة القضائية لأعفائه من الرسوم القضائية وفي هذه الحالة ينقطع ميعاد رفع الدعوى، ويظل هذا الميعاد مقطوعاً حتى يصدر القرار في طلب الإعفاء من الرسم . ([147])

وقد ساوى القضاء الإداري المقارن من حيث الأثر بين طلب الإعفاء من الرسوم القضائية والتظلم، إذ يقف سريان الميعاد ما دامت الجهة القضائية المختصة تبحث في طلب الإعفاء، ولكن إذا ما صدر القرار وجب رفع الدعوى خلال الستين يوماً التالية لصدوره . ([148])

المطلب الثالث: أثر انتهاء ميعاد الطعن

إذا ما انقضى ميعاد الطعن بالإلغاء، سقط الحق في رفع دعوى الإلغاء وأصبح القرار الإداري محصناً، فإذا رفع صاحب الشأن الدعوى بعد هذا الميعاد فلجهة الإدارة أن تدفع بعدم قبول الدعوى، إلا أن هذا المبدأ ليس مطلقاً ويجب التمييز في هذا المجال بين القرارات الفردية والقرارات التنظيمية .

أولاً- القرارات الفردية:

إذا كان القرار الإداري فردياً امتنع على الأفراد الطعن فيه بعد فوات ميعاد الطعن، وكذلك لا تستطيع الإدارة أن تسحبه أو تلغيه إذا ما رتب حقوقاً مكتسبة، حفاظاً على المصلحة العامة التي تتطلب استقرار الأوضاع الإدارية ولو كان القرار غير مشروع.

ومع ذلك فقد استقر القضاء الإداري في فرنسا ومصر على استثناء بعض القرارات وأجاز سحبها أو إلغائها برغم انقضاء مدة الطعن ومنها :

1-القرارات المقيدة للحرية: أجاز القضاء إداري الطعن بالقرارات الإدارية المقيدة للحرية رغم انقضاء مدة الطعن ([149])، فإذا أوقف شخص دون أن يكون قرار توقيفه مشروعاً يستطيع الطعن في هذا القرار دون التقيد بمدة الطعن المحددة قانوناً ما دام الشخص موقوفاً.

2-القرار المنعدم: يستثنى من التقيد بميعاد الطعن بالإلغاء الطعن بالقرارات المعدومة، فإذا أصيب القرار الإداري بعيب جوهري من شانه أن يجرد القرار من صفته كتصرف قانوني لينزل به إلى مرتبة العمل المادي، عندها يجوز لذوي الشأن الطعن في هذا القرار دون التقيد بالمواعيد والإجراءات المقررة لرفع دعوى الإلغاء.

ومن قبيل القرار المنعدم القرار الذي يصدر من فرد عادي أو من هيئة غير مختصة بإصداره أصلاً أو أن يصدر عن سلطة في أمور هي من اختصاص سلطة أخرى .

3-القرارات السلبية: القرار السلبي هو ذلك الذي لا يصدر في شكل الإفصاح الصريح عن إرادة بإنشاء المركز القانوني أو تعديله أو إنهائه، بل تتخذ الإدارة موفقاً سلبياً من التصرف في أمر كان الواجب على الإدارة أن تتخذ إجراءً فيه طبقاً للقانون واللوائح، فسكوت الإدارة عن الإفصاح عن إرادتها بشكل صريح يعد بمثابة قرار إداري مستمر لا يتقيد بمعياد معين للطعن.

4-القرارات الإدارية المبنية على سلطة مقيدة: القرارات الإدارية التي تصدر بناءً على سلطة مقيدة بحيث لا يترك المشرع للإدارة حرية التقدير فيها، يكون للإدارة أن ترجع في هذه القرارات إذا أخطأت في تطبيق القانون دون التقيد بمدة، كذلك يجوز للأفراد أن يطعنوا في مثل هذه القرارات دون التقيد بمدة الطعن بالإلغاء.

ثانياً- القرارات التنظيمية:

أطردت أحكام مجلس الدولة الفرنسي زمناً طويلاً على رفض طعون الإلغاء في القرارات التنظيمية على أساس أنها تقوم بحسب الأصل فيها على إنشاء وتعديل وإنهاء المراكز القانونية العامة غير الشخصية ولهذا فأنها لا تصلح موضوعاً لطعون الإلغاء .

غير أن منذ عام 1907 تغير موقف المجلس فقرر باطراد أنه على الرغم من الطبيعة التشريعية للوائح فأنها ما تزال بحكم مصدرها أعمالاً إدارية تصلح بذاتها للطعن بالإلغاء . ([150])

والقاعدة العامة المستقرة بالنسبة للقرارات التنظيمية أن الإدارة تملك تعديلها وإلغائها في أي وقت ومن دون التقيد بمواعيد الطعن، على اعتبار أنها تولد مراكز قانونية موضوعية عامة ولا تنشئ بذاتها حقوقاً مكتسبة يمكن أن يحتج بها على الإدارة .

أما بالنسبة للأفراد فقد استقر القضاء الإداري في فرنسا ومصر على أن انتهاء ميعاد الطعن لا يمنع من أمكان تقديم الطلب إلى الإدارة لإعادة النظر في القرار اللائحي ثم الطعن في رفض الإدارة لهذا الطلب في حالات معينة منها : صدور تشريع لاحق على اللائحة يتعارض مع اللائحة، وحالة تغير الأسباب التي صدرت اللائحة على أساسها .([151])

كما يملك الأفراد الطعن باللائحة بطريق غير مباشر ودون التقيد بميعاد الإلغاء عند تطبيقها على الحالات الفردية أي بطلب إلغاء القرارات الفردية الصادرة تطبيقاً للائحة المعيبة.

الفصل الثاني

أوجه الطعن بالإلغاء

بعد أن يبحث القضاء الإداري في اختصاصه بنظر الدعوى وتوفر الشروط الشكلية لقبولها، ينتقل إلى فحص موضوع الدعوى والبحث في أوجه إلغاء القرار المطعون فيه وهل خالف القانون أو وافقه .

وقد ظهرت أوجه الإلغاء أو الأسباب التي يستند إليها الطاعن لإلغاء القرار الإداري بجهود مجلس الدولة الفرنسي خلال تطور تدريجي طويل . وأول ما ظهر فيها عيب عدم الاختصاص ثم ظهر عيب الشكل ثم عيب الغاية أو انحراف السلطة ثم عيب المحل أو مخالفة القانون بالمعنى الضيق، وأخيراً عيب السبب الذي ظهر متأخراً . ([152])

وإذا كان ظهور أوجه الإلغاء في فرنسا بفضل القضاء، فإن ظهورها في مصر([153]) والعراق كان دفعة واحدة بنص المشرع .

فقد نص المشرع العراقي في المادة السابعة / ثانياً من القانون رقم 106 لسنة 1989 (قانون التعديل الثاني لقانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 ) :

(( يعتبر من اسباب الطعن بوجه خاص ما يلي:

1- ان يتضمن الامر او القرار خرقاً او مخالفة للقانون او الانظمة والتعليمات.

2- ان يكون الامر او القرار قد صدر خلافاً لقواعد الاختصاص او معيباً في شكله.

3- ان يتضمن الامر او القرار خطأ في تطبيق القوانين او الانظمة او التعليمات او تفسيرها او فيه اساءة او تعسف في استعمال السلطة ويعتبر في حكم القرارات او الاوامر التي يجوز الطعن فيها رفض او امتناع الموظف او الهيئات في دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي عن اتخاذ قرار او امر كان من الواجب عليه اتخاذه قانوناً )).

وفي هذا الجزء من الدراسه سنبحث في عيوب القرار الإداري او اوجه الطعن بالالغاء امام محكمة القضاء الاداري.

المبحث الأول

عيب عدم الاختصاص

عيب عدم الاختصاص أول العيوب التي أخذ بها مجلس الدولة الفرنسي للطعن بالإلغاء لما يتمتع به من أهمية كبيرة لكونه يتعلق بتحديد اختصاصات كل موظف عام أو هيئة إدارية من جهة، ولأنه أكثر عيوب القرار الإداري وضوحاً من جهة أخرى .

فمن الجدير بالذكر أن توزيع الاختصاصات بين الجهات الإدارية من الأفكار الأساسية التي يقوم عليها نظام القانون العام ويراعي فيها مصلحة الإدارة التي تستدعي أن يتم تقسيم العمل حتى يتفرغ كل موظف لأداء المهام المناطة به على أفضل وجه، كما أن قواعد الاختصاص تحقق مصلحة الأفراد من حيث أنها تسهل توجه الأفراد إلى أقسام الإدارة المختلفة وتساهم في تحديد المسؤولية الناتجة عن ممارسة الإدارة لوظيفتها .

المطلب الأول: تعريف عيب عدم الاختصاص

استقر الفقه والقضاء الإداري على تعريف عيب عدم الاختصاص في دعوى الإلغاء بأنه عدم القدرة على مباشرة عمل قانوني معين لأن المشرع جعله من اختصاص سلطة أخرى طبقاً للقواعد المنظمة للاختصاص . ([154])

وبسبب هذا التعريف فقد شبه بعض الفقهاء قواعد الاختصاص في القانون العام بقواعد الأهلية في القانون الخاص لأن كلاهما يقوم في الأساس على القدرة على مباشرة التصرف القانوني .

إلا أن الاختلاف يتضح من حيث المقصود في كل منهما، فالهدف من قواعد الاختصاص هو حماية المصلحة العامة أما قواعد الأهلية فالهدف منها هو حماية الشخص ذاته، كما أن الأهلية في القانون الخاص هي القاعدة أما عدم الأهلية فاستثناء على هذه القاعدة.

ويختلف الاختصاص عن ذلك في أنه يستند دائماً إلى القانون الذي يبين حدود أمكان مباشرة العمل القانوني وأن سبب عدم الأهلية يتركز في عدم كفاية النضوج العقلي للشخص بينما يكون الدافع في تحديد الاختصاص هو العمل على التخصص وتقسيم العمل بين أعضاء السلطة الإدارية . ([155])

ويتميز عيب عدم الاختصاص بأنه العيب الوحيد الذي يتعلق بالنظام العام ([156]) ويترتب على ذلك أن الدفع بعدم الاختصاص لا يسقط بالدخول في موضوع الدعوى ويجوز إبداؤه في أي مرحلة من مراحلها وأن على القاضي أن يحكم بعدم الاختصاص تلقائياً ولو لم يثيره طالب الإلغاء .

فضلاً عن أن قواعد الاختصاص من عمل المشرع وعلى الموظف أن يحترم حدود اختصاصه لأنها لم تكن قد وضعت لمصلحة الإدارة وإنما شرعت لتحقيق الصالح العام، لذلك لا يجوز للإدارة أن تتفق مع الأفراد على تعديل قواعد الاختصاص ولا يجوز للإدارة أن تتنازل عن اختصاص منحه لها القانون أو تضيف لاختصاصاتها اختصاص آخر .

كما استقر القضاء الإداري على أنه لا يجوز تصحيح عيب عدم الاختصاص أو تغطيته بقرار لاحق من الإدارة التي تملك الاختصاص وإن جاز أن تصدر قراراً جديداً على الوجه الصحيح لا ينتج أثره إلا من يوم صدوره .

المطلب الثاني: صور عيب عدم الاختصاص

اتفق القضاء والفقه الإداريان على وجود صورتين لعيب عدم الاختصاص هما عيب عدم الاختصاص الجسيم وهو ما يعرف باغتصاب السلطة، وعيب عدم الاختصاص البسيط .

الأول يجعل القرار منعدماً وفاقداً لصفته كقرار إداري ويصبح مجرد واقعة مادية لا تلحقه حصانة ولا يزيل عيبه فوات معياد الطعن فيه، أما العيب البسيط فيجعل من القرار باطلاً إلا أنه لا يفقد القرار الإداري مقوماته ويتحصن من الإلغاء بمرور الستين يوماً المحددة للطعن فيه .

أولاً- عيب عدم الاختصاص الجسيم:

يطلق الفقه و القضاء على عيب عدم الاختصاص الجسيم اصطلاح " اغتصاب السلطة " ويكون من أثره فقدان القرار لصفته وطبيعته الإدارية فلا يعد باطلاً وقابلاً للإلغاء فحسب وإنما يعد القرار معدوماً لا تلحقه أية حصانة ولا يزيل انعدامه فوات ميعاد الطعن فيه ولا يتقيد الطعن فيه بشرط الميعاد، إذ يمكن سحبه وإلغاءه بعد انتهاء ميعاد الستين يوماً المحددة للطعن .

وعلى هذا الأساس فأن تنفيذ الإدارة لهذا القرار يشكل اعتداءَ مادياً يسمح للقضاء العادي بالتصدي لتقرير انعدامه، وأن كان المنطق القانوني السليم يفضي إلى القول بعدم قبول دعوى الإلغاء ضد القرار الإداري المعدوم لأنه لا يترتب عليه أي اثر قانوني .

ومن هنا القضاء الإداري مستقر على قبول الطعن ضد القرار الإداري المعدوم لا لمجرد إلغاءه وإنما لإزالة الشبهة المتعلقة بمشروعيته .

وقد حدد القضاء الاداري المقارن الحالات التي يمكن اعتبار القرار مشوباً فيها بعيب عدم الاختصاص الجسيم أو اغتصاب السلطة ونتناول فيما يأتي هذه الحالات .

1- صدور القرار الإداري من فرد عادي أو هيئة خاصة:

في هذه الحالة يتدخل فرد عادي لا يتمتع بصفة الموظف في أعمال الإدارة أو أن تتدخل هيئة خاصة في ذلك وهي تملك حق مباشرة الاختصاصات الإدارية، فيعد القرار الصادر في هذه الحالة منعدماً ولا تترتب عليه أية آثار قانونية .

وهو ما درج عليه القضاء الإداري في فرنسا ومصر ([157]) غير أن مجلس الدولة الفرنسي استثنى من هذه القاعدة حالة الموظفين الفعليين Les Fonctrionsnaires de Fait والموظف الفعلي هو ذلك الشخص غير المختص الذي لم يقلد الوظيفة أصلاً أو كان قرار تقلده الوظيفة معيباً من الناحية القانونية، ومع ذلك تكون قراراته منتجه لأثارها.

وتقوم هذه الناحية على أساس الأخذ بفكرة الظاهر في الأحوال العادية حماية للغير حسن النية الذي يتعامل مع الشخص العادي لظهوره بمظهر الموظف العام، وتقوم على أساس حالة الضرورة أو لتحقيق المصلحة العامة في عدم توقف المرافق العامة عن أداء وظيفتها في الظروف الاستثنائية .

وصار لهذا المبدأ صدى فطبق في ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الأولى بصدد القرارات التي اتخذتها مجالس المجندين ومجالس العمال سنة 1918 فقد قرر القضاء فيما بعد أن هذه المجالس كانت تتصرف لتحقيق المصلحة العامة وقراراتها صحيحة والدولة مسؤولة عنها .

كذلك طبق هذا الحكم على القرارات التي أصدرتها لجان التحرير التي ظهرت في فرنسا بعد احتلال الألمان لفرنسا عام 1944 .

2- اعتداء السلطة التنفيذية على اختصاص السلطتين التشريعية أو القضائية:

يحدد المشرع غالباً اختصاصات كل سلطة من السلطات الثلاثة التشريعية والقضائية والتنفيذية، فإذا أصدرت الإدارة قراراً في موضوع هو من اختصاص السلطة التشريعية أو القضائية فإن قرارها هذا يكون من قبيل اغتصاب السلطة .

ومع ان محكمة القضاء الإداري في العراق لم يتسنى لها القضاء بهذا الخصوص فليس فيها ما يشير الى سلوك طريقا آخر.

3- صدور القرار من جهة إدارية اعتداء على اختصاص جهة إدارية أخرى لا تمت إليها بصلة:

يكون مرجع العيب في هذه الصورة انتهاك قواعد الاختصاص في نطاق الوظيفة الإدارية، كما لو صدر المحافظ قراراً هو من اختصاص وزير الثقافة .

وقد طبق مجلس الانضباط العام في العراق في أحد قراراته هذه الفكرة حيث قضى في حكمه الصادر في 26/3/1995 (وحيث أن أمين بغداد لم يكن من هيئة الوزراء فأنه لا يملك هذه الصلاحية كما لا يملك تخويلها ويكون الأمر الإداري الصادر بفصل الموظف قد وقع بناءً على توهم الموظف الإداري بأنه يملك هذه السلطة ، وحيث لا اختصاص إلا بنص فيكون حكمه حكم الغاصب لهذه السلطة مما يجعل القرار الصادر فيه محل الطعن من القرارات المعدومة من حيث الأثر القانوني ولا يخضع لمدة الطعن المقررة قانوناً) ([158]).

ثانياً- عيب عدم الاختصاص البسيط:

عيب عدم الاختصاص البسيط يختلف عن اغتصاب السلطة أو عيب عدم الاختصاص الجسيم في أنه لا يؤدي إلى انعدام القرار الإداري وإنما يجعله قابلاً للإلغاء فقط، فالقرار الإداري يبقى محتفظاً بمقوماته كقرار إداري ويبقى نافذاً حتى يصدر القضاء حكمه بإلغائه .

وهذا العيب أقل خطورة من عيب عدم الاختصاص الجسيم لذلك فإن القرار المشوب به يتحصن من الطعن بفوات مدة الستين يوماً المحددة للطعن بالإلغاء .

ومن الأمور المستقرة في القضاء الإداري أن هناك ثلاث حالات مختلفة لعدم الاختصاص البسيط وهي عدم الاختصاص من حيث المكان وعدم الاختصاص من حيث الزمان وعيب عدم الاختصاص من حيث الموضوع .

1. عيب عدم الاختصاص من حيث المكان:

يترتب هذه العيب في حالة تجاوز جهة الإدارة للنطاق الأقليمي أو الجغرافي المحدد قانوناً لممارسة اختصاصها، فلا يجوز للمحافظ أن يتخذ قرار خارج النطاق الجغرافي لمحافظته فإذا اتخذ قرار يدخل ضمن حدود محافظة أخرى فأنه يكون مشوباً بعيب عدم الاختصاص لصدوره خارج النطاق الإقليمي المحدد له .

وهذا العيب قليل الحدوث في العمل لأن المشرع كثيراَ ما يحدد وبدقة النطاق المكاني الذي يجوز لرجل الإدارة أن يمارس اختصاصه فيه وغالباً ما يتقيد رجل الإدارة بحدود هذا الاختصاص ولا يتعداه .

2. عدم الاختصاص من حيث الزمان:

ويقصد بعيب عدم الاختصاص من حيث الزمان أن يصدر الموظف أو جهة الإدارة قراراً خارج النطاق الزمني المقرر لممارسته، كما أو أصدر رجل الإدارة قراراً إدارياً قبل صدور قرار تعيينه أو بعد قبول استقالته أو فصله من الوظيفة أو إحالته على التقاعد.

كذلك إذا حدد المشرع مدة معينة لممارسة اختصاص معين أو لإصدار قرار محدد فأن القرار الصادر بعد انتهاء المدة الزمنية المعينة لإصداره يعد باطلاً ومعيباً بعدم الاختصاص إذا اشترط المشرع ذلك فإن لم يفعل فقد درج القضاء الإداري المقارن على عدم ترتيب البطلان . ([159])

3. عدم الاختصاص من حيث الموضوع:

ويتحقق عدم الاختصاص من الناحية الموضوعية عندما يصدر قرار إداري في موضوع هو من اختصاص موظف أو جهة إدارية غير التي قامت بإصداره فتعتدي بذلك على اختصاص تلك الجهة .

ويكون هذا الاعتداء أما من جهة إدارية على اختصاص جهة إدارية موازية أو مساوية لها، أو من جهة إدارية دنيا على اختصاص جهة إدارية عليا أو من جهة إدارية عليا على اختصاص جهة أدنى منها، أو اعتداء السلطة المركزية على اختصاص الهيئات اللامركزية .

أ- الاعتداء على اختصاص جهة إدارية موازية:

ومضمون هذا العيب أن تقوم جهة إدارية بالاعتداء على اختصاص جهة إدارية أخرى هي مساوية أو موازية لها وليس هناك تبعية رئاسية أو رقابية بين هاتين الجهتين، كما لو أصدر وزير العدل قراراً هو من اختصاص وزير التعليم .

أما إذا منح المشرع الاختصاص في إصدار قرار معين لأكثر من جهة ففي هذه الحالة إذا أصدرت إحدى الجهتين القرار يمتنع على الجهة الإدارية الأخرى أن تصدر قرار آخر يتعارض مع القرار الأول . ([160])

ب- اعتداء جهة إدارية دنيا على اختصاص جهة أعلى منها:

هذه الحالة من أكثر حالات عدم الاختصاص وقوعاً في العمل الإداري، وتحدث عندما يصدر المرؤوس قراراً من اختصاص رئيسه دون تفويض منه، فإذا حصل ذلك فإن القرار يكون معيباً بعدم الاختصاص البسيط، ومثال ذلك أن يصدر نائب المحافظ قراراً هو من اختصاص المحافظ .

جـ- اعتداء جهة إدارية عليا على اختصاص جهة ادني منها:

يتولى الرئيس الإداري حق الرقابة والأشراف والتوجيه علي أعمال مرؤ سه ضمانا لحسن سير المرفق العام الذي يديره ويشرف عليه ومع ذلك فقد يمنح المشرع المرؤوس بعض الصلاحيات في إصدار قرار معين دون تعقيب من رئيسه الإداري وفي هذه الحالة لا يجوز أن يحل الرئيس نفسه محل السلطة أو الجهة الإدارية التي هي ادني منه ويتوجب علي الرئيس أن ينتظر لحين مباشرة الجهة الأدنى لا اختصاصها ومن ثم يباشر سلطته في الرقابة عليه بحدود القانون .

وقد يحصل أن يكون الاختصاص مشتركا بحيث يقوم بممارسته الرئيس والمرؤوس وفي هذه الحالة لا يجوز أن يستقل الرئيس الإداري بممارسة الاختصاص ألا إذ مارسه بصحبة مرؤوسة وإلا اعتبر القرار مشوباً بعيب عدم الاختصاص .([161])

د- اعتداء السلطة المركزية علي اختصاص الهيئات اللامركزية:

يقوم النظام اللامركزية علي أساس وجوده مصالح إقليمية أو مرفقية أعترف لها المشرع بقدر محدد من الاختصاصات وقدر معين من الاستقلال في مزاولة هذه الاختصاصات تحت وصاية السلطات المركزية في الدولة .

والقانون يضع حدود الأشراف الذي تمارسه السلطة المركزية على الهيئات اللامركزية سواء اتخذت هذه الرقابة طابع التصديق علي القرارات المتخذة أو الحلول في بعض الأحيان محل هذه السلطات في مباشرة جانب من اختصاصاتها في الحدود التي رسمها القانون. ([162])

وبناء علي ذلك لا يجوز أن تصدر السلطة المركزية قرار تتجاوز به الحدود القانونية التي رسمها لها المشرع وتمارس اختصاصا يقع في ضمن اختصاص الهيئات المحلية أو اللامركزية، ولا يجوز لها أن تحل محلها في مباشرة اختصاص معين لم يخولها القانون حق الحلول فيه ولا يجوز لها أن تعدل قرار اتخذته وألا كان عملها هذا مشوباً بعيب عدم الاختصاص .

المبحث الثاني

عيب الشكل والإجراءات

يتحقق هذا العيب عندما يصدر القرار الإداري من دون مراعاة الإدارة للشكل أو الإجراءات التي نص عليها القانون ويتعلق هذا العيب بالمظهر الخارجي للقرار الإداري ونتناول في هذا الجزء من الدراسة عيب الشكل والإجراءات من خلال بحث مفهومه وصور قواعد الشكل وأخير تغطية هذا العيب .

المطلب الأول: تعريف عيب الشكل

يقصد بعيب الشكل في القرار الإداري أن تهمل الإدارة القواعد والإجراءات الشكلية الواجب اتباعها في القرار الإداري .

ومن ثم يكون القرار معيبا في شكله إذا لم تحترم الإدارة القواعد الإجرائية والشكلية المقررة لصدوره بمقتض القوانين واللوائح كما لو اشترط القانون إجراءات تمهيدية تسبق اتخاذ القرار أو استشاره جهات معينه أو تسبيب القرار ولم تتبع الإدارة ذلك.

والأصل في القرار الإداري أن لا يتطلب إصداره شكلية معينة ألا أن القانون قد يستلزم إتباع شكل محدد أو إجراءات خاصة لا إصدار قرارات معينة، وفي غير هذه الحالات تتمتع الإدارة بحرية تقدير واسعة في إتباع الشكل الملائم لا إصدار قراراتها.

وعندما يشترط القانون إتباع شكل أو أجراء معين إنما يسعى من جهة لتحقيق مصلحة الأفراد وعدم فسح المجال للإدارة لإصدار قرارات مجحفة بحقوقهم بطريقة ارتجالية، ومن جهة أخرى يعمل على تحقيق المصلحة العامة في إلزام الإدارة بإتباع الأصول والتروي وعدم التسرع في اتخاذ قرارات خاطئة .

وقد رتب القضاء الإداري في العراق بطلان القرار الإداري جزاءً لمخالفة الإدارة للشكليات والإجراءات التي يتطلبها القانون فقد قضى مجلس الانضباط العام في حكمه الصادر في 27/10/2003 ( … فضلاً عن ذلك فأن المعترض عليهما - إضافة لوظيفتهما كانا قد فرضا هذه العقوبة خلافاً لنص المادة (10) منه القانون المشار إليه التي أوجبت إجراء التحقيق الإداري مع الموظف المخالف من لجنة تحقيق أصولية متكونة من رئيس وعضوين أحدهما حاصلاً على شهادة جامعية أولية في القانون وعليه ولكل ما تقدم ذكره قرر المجلس وبالاتفاق الحكم بإلغاء عقوبة الفصل المطعون بها الصادرة بموجب الأمر الإداري المذكور في صدر هذا الحكم ..) ([163])

ويحدد القانون بمعناه العام قواعد الشكل والإجراءات بما ينص عليه الدستور أو التشريع العادي أو الأنظمة كذلك تؤدي المبادئ القانونية العامة دوراً مهماً في ابتداع قواعد شكلية غير منصوص عليها في القانون والأنظمة بالاستناد إلى روح التشريع وما يمليه العقل وحسن تقدير الأمور . ([164])

المطلب الثاني: صور قواعد الشكل

درج القضاء الإداري على التمييز بين ما إذا كانت المخالفة في الشكل والإجراءات قد تعلقت بالشروط الجوهرية التي تمس مصالح الأفراد وبين ما إذا كانت المخالفة متعلقة بشروط غير جوهرية لا يترتب على إهدارها مساساً بمصالحهم ويترتب البطلان بالنسبة للنوع الأول دون الثاني .

والتمييز بين الأشكال الجوهرية والأشكال غبر الجوهرية مسألة تقديرية تتقرر في ضوء النصوص القانونية ورأي المحكمة وبصورة عامة يكون الإجراء جوهرياً إذا وصفه القانون صراحة كذلك أو إذا رتب البطلان كجزاء على مخالفته . أما إذا صمت القانون فإن الإجراء يعد جوهرياً إذا كان له أثر حاسم في مسلك الإدارة وهي تحدد مضمون القرار الإداري أما إذا لم يكن لذلك الإجراء هذا الأثر فإنه يعد إجراء ثانوياً ومن ثم فإن تجاهله لا يعد عيباً يؤثر في مشروعية ذلك القرار . ([165])

وقد استقر القضاء الإداري على أنه لا ينبغي التشدد في التمسك بالقيود الشكلية إلى حد تعطيل نشاط الإدارة، فالعيب الذي من شأنه أن يبطل القرار الإداري هو ذلك الذي يؤثر في مضمون القرار أو ينتقص من الضمانات المقررة لصالح الأفراد المخاطبين به في مواجهة الإدارة وهو ما اعتمدة مجلس الانضباط العام في احد قراراته حيث ذهب في حكمه الصادرة في 3/12/ 1997 إلى إعادة موظف إلى وظيفته بعد أن اعتبرته دائرته مستقيلاً وذلك لأن إجراءات التبليغ لم تكن قد تمت وفقاً للقانون ، وقد صادقت الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة على القرار المذكور لدى تمييزه أمامها ([166])

ونتناول فيما يلي هذين النوعين من قواعد الشكل والإجراءات .

أولاً- الأشكال التي تؤثر في مشروعية القرار الإداري:

لا يمكن أن نحصر الأشكال والإجراءات التي يترتب على مخالفتها بطلان القرار الإداري، إلا أن المستقر في الفقه والقضاء الإداري أن أهم هذه الشكليات تتعلق بشكل القرار ذاته وتسبيبه والإجراءات التمهيدية السابقة على إصداره .

1. شكل القرار ذاته:

من المتفق عليه أنه ليس للقرار الإداري شكل معين يجب أن يصدر فيه فقد يأتي القرار شفوياً أو ضمنياً، إلا أن القانون قد يشترط أن يكون القرار مكتوباً وفي هذه الحالة يتوجب على الإدارة إتباع الشكل الذي تطلبه المشرع و إلا عد قرارها مخالفاً لشكل جوهري مما يؤدي إلى أبطاله .

2. تسبيب القرار الإداري:

الأصل أن الإدارة غير ملزمة بتسبيب قراراتها إلا إذا تطلب القانون ذلك، فمن المبادئ المقررة أن القرار الإداري الذي لم يشتمل على ذكر الأسباب التي استند عليها، يفترض فيه أنه صدر وفقاً للقانون وأنه يهدف لتحقيق المصلحة العامة، وهذه القرينة تصحب كل قرار إداري لم يذكر أسبابه وتبقى قائمة إلى أن يثبت المدعى أن الأسباب التي بنى عليها القرار المطعون فيه هي أسباب غير مشروعة . ([167])

أما إذا اشترط القانون تسبيب بعض القرارات فقد استقر قضاء محكمة العدل العليا على أن هذا التسبيب يعد أحد عناصر الجانب الشكلي للقرار يترتب على إغفاله بطلان القرار ولو كان له سبب صحيح . ([168])

واشتراط المشرع تسبيب بعض القرارات الإدارية يعد من أهم الضمانات للأفراد لأنه يتيح للقضاء مراقبة مشروعيتها فضلاً عن أن معرفة الأفراد للأسباب التي دعت الإدارة لاتخاذ قرارها يسهل عليهم الطعن فيه أمام القضاء، كما أن التسبيب يجعل الإدارة أكثر حذراً وروية عند إصدارها لقراراتها تجنباً للطعن فيها .

ولتوفير هذه الضمانة يجب أن يكون التسبيب جدياً ومحدداً وواضحاً بما يسمح للقضاء من بسط رقابته على مشروعية القرار، و إلا فإن القرار يعد بحكم الخالي من التسبيب مما يؤدي إلى إبطاله، ونظراً للأهمية التي يوليها المشرع لتسبيب القرارات الإدارية نحد أن المشرع الفرنسي قد أكد في قانون 11/7/1979 ضرورة تسبيب جميع القرارات الفردية التي لا تكون في مصلحة الأفراد، واشترط أن يكون التسبيب مكتوباً إلا في حالة الضرورة القصوى والحالات التي تنطوي على قرارات ضمنية أو الصادرة في حالات مستعجلة . ([169])

3. الإجراءات السابقة على اتخاذ القرار:

يشترط القانون في بعض الأحيان على جهة الإدارة سلوك إجراءات قبل إصدار قرارها و ويترتب على إغفال إتباع هذه الإجراءات بطلان قراراها .

ومن قبيل ذلك مخالفة الإدارة للإجراءات الواجب اتباعها في قراراتها التأديبية مثل إعلان المتهم بالوقائع المسندة إليه قبل الجلسة المحددة لمحاكمته وبيان وصف التهمة وتاريخ ارتكابها وزمان ومكان محاكمته وسماع دفاعه عن نفسه إلى غير ذلك من إجراءات جوهرية تحقق الضمانات الأساسية التي يقوم عليها التحقيق .

وقد يشترط القانون استشارة جهة معينة قبل إصدار الإدارة قرارها، وقد تكون هذه الجهة فرداً أو هيئة أو لجنة ما، وقد تكون الإدارة ملزمة برأي تلك الجهة أو غير ملزمة به وفقاً لما ينص عليه القانون، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإدارة في هذه الحالات جميعاً ملزمة باحترام الشكلية التي فرضها القانون وأخذ رأي تلك الجهة وإلا كان قرارها معيباً وجديراً بالإلغاء .

4. الشكليات الخاصة باللجان والمجالس:

يتطلب القانون أحياناً إجراءات خاصة لانعقاد اللجان أو المجالس انعقاداً صحيحاً فقد ينص على ضرورة اكتمال النصاب القانوني ويعد الجلسة باطلة إذا اقتصرت الدعوة على عدد معين من الأعضاء دون الآخرين .

وإذا كان حضور أعضاء المجالس واللجان وفق التكوين الذي حدده القانون يشكل ضمانة مهمة للأفراد، فإنه لا مجال للقول بأن زيادة أعضاء هذه المجالس يشكل زيادة في هذه الضمانة لأن الضمانات المقررة في القوانين واللوائح لا تتحقق إلا بأتباع الإجراء الذي حدده المشرع .

ثانياً- الأشكال التي لا تؤثر في مشروعية القرار الإداري:

من المستقر في القضاء الإداري أنه لا يترتب البطلان على كل مخالفة للشكليات دون النظر إلى طبيعة هذه المخالفة ورتب البطلان على إغفال الشكليات الجوهرية دون الثانوية , ومن الشكليات التي لاتؤثر في مشروعية القرار الإداري :

1. الأشكال والإجراءات المقررة لمصلحة الإدارة:

على عكس الأشكال المقررة لصالح الأفراد، اعتبر القضاء الإداري الأشكال والإجراءات المقرة لمصلحة الإدارة أشكال وإجراءات ثانوية لا يترتب على مخالفتها الحكم بإبطال القرار الإداري وهنا لا يسمح للأفراد أن يستندوا إلى الإجراءات المقررة لمصلحة الإدارة وحدها للتوصل إلى إلغاء القرارات الإدارية . ([170])

ومثال هذه الشكليات اشتراط تقديم ضمان مالي أو شخصي قبل منح رخصة معينة، فإذا أغفلت الإدارة هذا الإجراء فلا محل للطعن ببطلان القرار الإداري .

وهذا الاتجاه لم يسلم من النقد من جانبين الأول أنه من الصعب تحديد الحالات التي تكون فيها الأشكال مقررة لمصلحة الإدارة وحدها، والثاني أن هذه الأشكال هي في الحقيقة مقررة لتحقيق الصالح العام وليس الإدارة وحدها .

كما أن الطبيعة الموضوعية لدعوى الإلغاء التي تختصم القرار الإداري ذاته تتعارض مع النظر إلى مصالح أطراف النزاع . ([171])

2. الأشكال والإجراءات التي لا تؤثر في مضمون القرار:

يتغاضى القضاء الإداري أحياناً عن مخالفة بعض الشكليات التي يعدها ثانوية لا تؤثر في مضمون القرار الإداري ومن قبيل ذلك إغفال الإدارة الإشارة صراحة في صلب قرارها إلى النصوص القانونية التي كانت الأساس في إصداره، أو عدم ذكر صفات أعضاء اللجان والمجالس في صلب القرارات الصادرة عنها .

ويبدو ظاهرياً أن هذا الاتجاه من القضاء يهدف إلى التقليل من الشكليات التي تضر بعمل الإدارة وتقيدها عن أداء وظيفتها، إلا أن القول به لا شك سيؤدي إلى تعسف الإدارة وادعائها بأن أغلب الإجراءات والإشكال لا تؤثر في مضمون القرار الإداري ولها سلطة تقديرية في هذا المجال، ولا يخفى ما لذلك من تأثير سلبي على سلطة القضاء الإداري في الرقابة على مشروعية قرارات الإدارة .

ومن ثم فإن احترام المشروعية يقتضي من الإدارة أن تلجأ إلى المشرع لإلغاء ما تعده مقيداً لنشاطها من شكليات إذا كانت مقررة بنص تشريعي وأن تعمد إلى إلغاء الشكليات غير الجوهرية إذا كانت مقرر بنص لائحي . ([172])

المطلب الثالث: تغطية عيب الشكل

درج القضاء الإداري المقارن على القول بأنه يمكن تلافي إلغاء القرار المعيب بعيب الشكل الجوهري بإتباع أربع وسائل يمكن عن طريقها تغطية هذا العيب وهي استحالة إكمال الشكليات والظروف الاستثنائية وقبول صاحب الشأن والاستيفاء اللاحق للشكل .

أولاً- استحالة إتمام الشكليات:

اتجه القضاء الإداري في فرنسا ومصر الى القول بأنه إذا استحال إتمام الأشكال والإجراءات من الناحية المادية فيمكن تجاوز هذه الأشكال .

والاستحالة التي تجوز فيها للإدارة أن تتحلل من الشكلية التي يفرضها القانون هي الاستحالة المادية الطويلة، لأن الاستحالة المؤقتة لا تكفي لتبرير إغفال الإدارة للأشكال المطلوبة . ([173])

ومن أمثلة الاستحالة المادية المانعة من إتمام الشكليات عدم سماع دفاع الموظف المتهم إذا كان ذلك راجعاً إلى استحالة مادية حقيقية تعود إلى عدم تركه لعنوانه، واستحالة الاستدلال على هذا العنوان وكذلك رفض أحد أعضاء اللجنة الحضور رغم تبليغه بقصد تأخير القرار .

وفي ذلك قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر : " الشركة قد اتخذت الإجراءات اللازمة قانوناً في شأن عرض الأمر على اللجنة الثلاثية قبل إصدارها قرار الفصل المطعون فيه، وأن اللجنة حاولت أن تعقد اجتماعاً أكثر من مرة إلا أن العضو الثالث فيها " ممثل العمال " الذي ثبت أنه أخطر شخصياً بمواعيد الانعقاد تعمد التخلف عن الحضور أكثر من مرة، فأنه بذلك لا تتريب على الشركة من جهة النظر القانونية أن هي أصدرت قرارها بالفصل " . ([174])

ثانياً- الظروف الاستثنائية:

تضطر الإدارة أحياناً إلى إغفال الشكليات الواجب مراعاتها قانوناً تحت ضغط الظروف الاستثنائية، وقد سبق أن بينا أن نظرية الظروف الاستثنائية توسع من نطاق مبدأ المشروعية، وتؤدي إلى تحرر الإدارة من كثير من القيود القانونية ومنها ما يتعلق بقواعد الشكل والإجراءات فلا تعد القرارات الصادرة مخالفة للأشكال والإجراءات التي يتطلبها القانون لصدورها في ظل هذه الظروف .

ثالثاً- قبول صاحب الشأن:

من المقرر فقهاً وقضاءً أن الأصل في الشكليات والإجراءات أنها مقررة لمصلحة عامة قدرها المشرع، فهي تمس الصالح العام، ومن هنا فإن قبول ذوي الشأن للقرار المعيب لا يؤدي إلى تصحيح العيب وزوال البطلان . ([175])

إلا أن بعض أحكام القضاء الإداري قد خرجت عن هذا الاتجاه وذهبت إلى قبول المخالفة أو العيب الذي انطوى عليه القرار الإداري وتنازل من شرع الشكل لمصلحته عن التمسك بالبطلان إذا لم يكن هذا الشكل متعلقاً بالنظام العام . ([176])

رابعاً- الاستيفاء اللاحق للشكل:

انقسم الفقه والقضاء الإداري بشأن إمكانية تصحيح عيب الشكل باستيفاء الإجراءات أو الأشكال التي أهملتها الإدارة بعد صدور القرار المعيب فقد ذهب جانب من الفقه معززاً رأيه ببعض أحكام القضاء إلى عدم جواز تصحيح الأشكال والإجراءات بعد صدور القرار لأن هذه الإجراءات إنما وضعت كضمانة للأفراد وللمصلحة العامة قبل إصدار الإدارة قرارها فإذا أهملت الإدارة هذه الضمانة فقرارها يكون معيباً ومستحقاً للإلغاء، ولا يجوز للإدارة أن تصحح هذا العيب لتعطي القرار أثراً رجعياً لأن ذلك يمنح الإدارة رخصة الخروج على قواعد الشكل . ([177])

وذهب جانب آخر من الفقه إلى قبول تصحيح القرار باستيفاء الشكلية بعد صدور القرار تجنباً لإلغائه . ([178])

المبحث الثالث

عيب مخالفة القانون أو عيب المحل

من مقتضيات مبدأ المشروعية أن يكون القرار الإداري موافقاً من حيث الموضوع لمضمون القواعد القانونية، وقد أشارت المادة السابعة ثانياً/ هـ/1من قانون مجلس شورى الدولة المعدل الى انه : (يعتبر من أسباب الطعن بوجه خاص أن يتضمن القرار خرقاً أو مخالفة للقانون والأنظمة والتعليمات).

المطلب الأول: تعريف عيب مخالفة القانون

يطلق على عيب مخالفة القانون بمعناه الضيق عيب المحل وهو موضوع بحثنا في هذا المجال، أما عيب مخالفة القانون بمعناه الواسع فيشمل عيوب القرار الإداري كافة، عيب الاختصاص والشكل والسبب وعيب الانحراف بالسلطة .

ويقصد بعيب المحل أن يكون القرار الإداري معيباً في فحواه أو مضمونه وبمعنى آخر أن يكون الأثر القانوني المترتب على القرار الإداري غير جائز أو مخالف للقانون أياً كان مصدره سواء أكان مكتوباً كأن يكون دستورياً أو تشريعياً أو لائحياً أو غير مكتوب كالعرف والمبادئ العامة للقانون .

المطلب الثاني: صور مخالفة القانون

تتنوع صور مخالفة القرار الإداري للقانون فتارة تكون المخالفة لنص من نصوص القوانين أو اللوائح أو تطبيقاتها في حالة وجود القاعدة القانونية، وتارة تكون المخالفة في تفسير القوانين واللوائح أو في تطبيقاتها عندما تكون القاعدة القانونية غير واضحة وتحتمل التأويل . ومن صور مخالفة القانون التي اعتمدها القضاء الاداري الصور الآتية :

1-المخالفة المباشرة للقانون .

2-الخطأ في تفسير القاعدة القانونية .

3-الخطأ في تطبيق القاعدة القانونية.

أولاً- المخالفة المباشرة للقاعدة القانونية:

تتحقق هذه الحالة عندما تتجاهل الإدارة القاعدة القانونية وتتصرف كأنها غير موجودة وقد تكون هذه المخالفة عمدية كما لو منح رجل الإدارة رخصة مزاولة مهنة معينة لشخص وهو يعلم أنه لم يستوف شروط منحة الرخصة، وقد تكون المخالفة غير عمدية نتيجة عدم علم الإدارة بوجود القاعدة القانونية .

والمخالفة المباشرة للقاعدة القانونية أما أن تكون مخالفة إيجابية تتمثل بقيام الإدارة بتصرف معين مخالف للقانون كما لو أصدرت قراراً بتعيين موظف من دون الالتزام بشروط التعيين أوان تكون المخالفة للقاعدة القانونية سلبية تتمثل بامنتاع الإدارة عن القيام بعمل يوجبه القانون مثل امتناعها عن منح أحد الأفراد ترخيصاً استوفي شروط منحه .

والمخالفة المباشرة للقاعدة القانونية من أكثر حالات مخالفة القانون وقوعاً ووضوحاً في الواقع العملي، ومن ذلك مثلا أن يتم احالة الموظف على التقاعد قبل بلوغة السن القانونية المحدده قانونا.

ثانياً- الخطأ في تفسير القاعدة القانونية:

تتحقق هذه الحالة عندما تخطأ الإدارة في تفسير القاعدة القانونية فتعطي القاعدة معنى غير المعنى الذي قصد المشرع .

والخطأ في تفسير القاعدة القانونية أما أن يكون غير متعمد من جانب الإدارة فيقع بسبب غموض القاعدة القانونية وعدم وضوحها، واحتمال تأويلها إلى معان عدة . وقد يكون متعمداً حين تكون القاعدة القانونية المدعى بمخالفتها من الوضوح بحيث لا تحتمل الخطأ في التفسير، ولكن الإدارة تتعمد التفسير الخاطئ، فيختلط عيب المحل في هذه الحالة بعيب الانحراف السلطة .

وفي معنى الخطأ في التفسير أن تعمد الإدارة إلى مد نطاق القاعدة القانونية ليشمل حالات لا تدخل في نطاقها أصلاً، أو تضيف حكماً جديداً لم تنص عليه القاعدة القانونية . ([179])

ثالثاً- الخطأ في تطبيق القاعدة القانونية:

يكون الخطأ في تطبيق القاعدة القانونية في حالة مباشرة الإدارة للسلطة التي منحها القانون إياها بالنسبة لغير الحالات التي نص عليها القانون، أو دون أن تتوافر الشروط التي حددها القانون لمباشرتها . ([180])

فإذا صدر القانون دون الاستناد إلى الوقائع المبررة لاتخاذه أو لم يستوف الشروط التي يتطلبها القانون فأنه يكون جديراً بالإلغاء .

ويتخذ الخطأ في تطبيق القانون صورتين : الأولى تتمثل في حالة صدور القرار دون الاستناد إلى وقائع مادية تؤيده، ومثال ذلك أن يصدر الرئيس الإداري جزاءً تأديبياً بمعاقبة أحد الموظفين دون أن يرتكب خطأ يجيز ذلك الجزاء، أما الثانية فتتمثل في حالة عدم تبرير الوقائع للقرار الإداري، وهنا توجد وقائع معينة إلا أنها لا تكفي أو لم تستوف الشروط القانونية اللازمة لاتخاذ هذا القرار .

المبحث الرابع

عيب السبب

رقابة القضاء الإداري على سبب القرار الإداري تمثل جانباً مهماً من جوانب الرقابة القضائية على مشروعية القرار الإداري، ومقتضاها أن يبحث القاضي في مدى مشروعية الدوافع الموضوعية التي دعت الإدارة لإصدار قرارها، ونبحث فيما يلي عيب السبب ونتصدى لرقابة القضاء الإداري بشأنه .

المطلب الأول: تعريف السبب

سبب القرار الإداري هو الحالة الواقعية أو القانونية التي تسبق القرار وتدفع لإصداره . وبهذا المعنى فأن عيب السبب يتحقق في حالة انعدام وجود سبب يبرر إصدار القرار فيكون جديرا بالإلغاء وقد تدعي الإدارة بوجود وقائع أو ظروف مادية دفعتها لا صدارة ثم يثبت عدم صحة وجودها في الواقع .

فإذا صدر قرار أداري دون أن يستند إلى سبب صحيح كما لو أصدرت الإدارة قرار بمعاقبة موظف لأنه أهان رئيسة ثم يتبين عدم صحة واقعة لإهانة فان القرار يكون معيبا بعدم مشروعية سببه

وقد بدأ مجلس الدولة الفرنسي رقابته علي عيب السبب منذ عام 1907 بحكم مونو Mono برقابته علي وجود الوقائع وصحة تكييفا القانوني ثم حكم ديسي Dessay عام 1910 .

وقد أنكر جانب من الفقه وجود السبب كعيب مستقل من عيوب القرار الإداري فقد ذهب العميد دوكي Duguit إلى أن السبب أو الباعث الملهم ليس ألا مجرد حالة سابقة على القرار تثير فكرة في ذهن مصدرة كما رده مجلس الدولة الفرنسي إلى عيب عدم الاختصاص في حالات الاختصاص المقيد وعيب الغاية في الحالات الأخرى بينما ذهب العميد هوريو Houriou إلى القول بأن عيب السبب يندرج في ضمن عيب مخالفة القانون .([181])

إلا أن الرأي المستقر فقها وقضاء أن عيب السبب مستقل عن العيوب الأخرى فقد تقدم أن عيب مخالفة القانون يتعلق بمحل القرار الإداري وهو الأثر القانوني المترتب على القرار أو مادته أو محتواة وبمعنى أخر فانه ذلك التغيير الذي يحدثه القرار سواء بإنشاء أو تعديل أو إلغاء مركز قانوني معين أما السبب فيتعلق بالحالة الواقعية أو القانونية التي قامت قبل إصدار القرار ودفعت إلى إصداره.

وفي عيب الانحراف بالسلطة يتعلق العيب في الغاية أو الهدف الذي يسعى مصدر القرار إلى تحقيقه وهذه الغاية متصلة بالبواعث النفسية للشخص أو الجهة التي اتخذت القرار في حين يتمثل عيب السبب بعناصر ذات طبعية موضوعية متصلة بالقانون أو الوقائع ومستقلة عن الحالة النفسية لمصدر القرار .

المطلب الثاني: شروط السبب في القرار الإداري

استقر القضاء علي ضرورة توفر شرطين في سبب القرار الإداري :

أولاً- أن يكون سبب القرار الإداري موجوداً:

وهنا يجب أن يكون القرار الإداري قائما وموجودا حتى تاريخ اتخاذ القرار ويتفرع من هذا الشرط ضرورتان الأولى أن تكون الحالة الواقعية أو القانونية موجودة فعلا وألا كان القرار الإداري معيباً في سببه، والثاني يجب أن يستمر وجودها حتى صدور القرار فإذا وجدت الظروف الموضوعية لإصدار القرار ألا أنها زالت قبل إصدارة فإن القرار يكون معيبا في سببه وصدر في هذه الحالة، كما لا يعتد بالسبب الذي لم يكن موجودا قبل إصدار القرار ألا أنه تحقق بعد ذلك وأن جاز أن يكون مبررا لصدور قرار جديد .

ثانياً- أن يكون السبب مشروعاً:

وتظهر أهمية هذا الشرط في حالة السلطة المقيدة للإدارة عندما يحدد المشرع أسبابا معينه يجب أن تسند إليها الإدارة في إصدار بعض قراراتها فإذا استندت في إصدار قرارها إلى أسباب غير تلك التي حددها الشرع فأن قرارها يكون مستحقا للإلغاء لعدم مشروعيته ويجري القضاء في هذه الحالة على رقابة الأسباب القانونية من حيث وجودها أو عدم وجودها وقصر سلطته على تطبيق حكم القانون أي علي رقابة المشروعية فقط .وقد قضى مجلس الانضباط العام في قرار له بتاريخ 25/ 12/2003 (إن الذي يهم المجلس في مجال هذا الطعن البحث عن مدى مشروعية الأمر الإداري المطعون فيه وأصولية أسبابه وانسجامه مع متطلبات الصالح العام .. مما يكون الأمر الإداري المطعون فيه قد صدر خلافاً للمشروعية ولقواعد الاختصاص وخالياً من أسبابه القانونية )([182])

ومع ذلك فقد درج القضاء الإداري على أنه حتى في مجال السلطة التقديرية لا يكفي أن يكون السبب موجودا بل يجب أن يكون صحيحا ومبررا لإصدار القرار الإداري.

فضلاً عن أن جهة الإدارة كقاعدة عامة غير ملزمة بتسبيب قرارها ألا إذا أشترط المشرع ذلك أما إذا أفصحت عن هذا السبب من تلقاء ذاتها فأنه يجب أن يكون صحيحا وحقيقيا فأن لم يكن كذلك بأن كان وهميا أو صوريا كان القرار الإداري باطلا غير منتج لأي أثر .

أما في حالة تعدد الأسباب التي يستند إليها القرار، وتبين أن بعض الأسباب صحيح ومشروع والأسباب الأخرى غير مشروعة فقد استقر القضاء الإداري على التفرقة بين الأسباب الدافعة أو الرئيسية وبين الأسباب غير الدافعة أو الثانوية والحكم بإلغاء القرار إذا كانت الأسباب المعيبة وغير الصحيحة هي الأسباب الدافعة أو الرئيسية في إصدار القرار ولا يحكم بإلغاء القرار إذا كانت الأسباب المعيبة هي الأسباب غير الدافعة أو الثانوية .

المطلب الثالث: رقابة القضاء الإداري على السبب

تطورت الرقابة علي سبب القرار الإداري من الرقابة على الوجود المادي للوقائع إلى رقابة الوصف القانوني للوقائع إلي أن وصلت إلي مجال الملائمة أو التناسب بين القرار الإداري والوقائع التي دفعت ألى إصداره .

وبناء علي ذلك سنبحث في رقابة القضاء الإداري على السبب في ثلاث مراحل الرقابة على وجود الوقائع والرقابة على تكييف الوقائع والرقابة على ملائمة القرار للوقائع :

أولاً- الرقابة على وجود الوقائع:

الرقابة على وجود الوقائع المادية التي استندت أليها الإدارة في إصدار قرارها أول درجات الرقابة القضائية على سبب القرار الإداري فإذا تبين أن القرار المطعون فيه لا يقوم علي سبب يبرره فأنه يكون جديرا بالإلغاء لانتفاء الواقعة التي استند عليها.

وقد بدأ مجلس الدولة الفرنسي في رقابته علي وجود الوقائع مع بداية القرن العشرين ومن أحكامه في هذا المجال حكم Trepont الذي قضي بإلغاء القرار الإداري الخاص بإحالة الطاعن على التقاعد لعدم ثبوت الواقعة التي اعتمدت عليها الإدارة في إصدار القرار وهي تقديم الطاعن طلبا بإحالته علي التقاعد . ([183])

وسار القضاء الإداري في مصر والعراق مع ما سار عليه مجلس الدولة الفرنسي في ذلك . ([184])

أما إذا صدر القرار بالاستناد إلى سبب تبين أنه غير صحيح أو وهمي وظهر من أوراق الدعوى أن هناك أسباب أخرى صحيحة فأنه يمكن حمل القرار على تلك الأسباب.

ثانياً- الرقابة على تكييف الوقائع:

وهنا تمتد رقابة القاضي الإداري لتشمل الوصف القانوني للوقائع التي استندت أليها الإدارة في إصدار قرارها فإذا تبين له أن الإدارة أخطأت في تكييفها القانوني لهذه الوقائع فإنه يحكم بإلغاء القرار الإداري لوجود عيب في سببه فإذا تحقق القاضي من وجود الوقائع التي استندت إليها الإدارة في إصدار قرارها ينتقل البحث فيما إذا كانت تلك الوقائع تؤدي منطقيا إلى القرار المتخذ .

ومن اشهر أحكام مجلس الدولة الفرنسي في الرقابة على التكييف القانوني للوقائع حكمة في قضية Gomel عام 1914 فقد قضي بإلغاء قرار مدير أحد الأقاليم الذي رفض الترخيص للسيد جوميل بالبناء في منطقة أثرية على أساس أن هذا البناء سيشوه جمال المنظر الأثري ولما بحث المجلس التكييف القانوني للوقائع التي أستند إليها هذا القرار أعتبرها غير صحيحة وألغى قرار المدير.([185])

وجاء في قرار لمحكمة القضاء الإداري في العراق بقرارها المؤرخ في 18/11/1996 ( قرر إلغاء الأمر المتضمن حجز ومصادرة السيارة لعدم ارتكازه على سند من القانون وان تطبيق قرار مجلس قيادة الثورة كان في غير محله …) .([186])

ثالثاً- الرقابة على الملائمة:

الأصل أن لا تمتد رقابة القضاء الإداري لتشمل البحث في مدى تناسب الوقائع مع القرار الصادر بناء عليها لان تقدير أهمية الوقائع وخطورتها مسألة تدخل في ضمن نطاق السلطة التقديرية للإدارة إلا أن أحكام مجلس الدولة في مصر وفرنسا أخذت تراقب الملائمة بين السبب والقرار المبني عليه لا سيما إذا كانت الملائمة شرطا من شروط المشروعية وأتضح ذلك جلياً في صدد القرارات المتعلقة بالحريات العامة وامتدت هذه الرقابة إلى ميدان القرارات التأديبية كذلك . ([187])

وبذلك يكون القضاء قد توسع في بسط رقابته علي العناصر الواقعية لركن السبب حتى بلغت أقصى درجاتها، لتشمل الملائمة ولاشك ان رقابة التناسب وعلى وجه الخصوص في القرارات التأديبية هي المجال الحقيقي لمجلس الانضباط في العراق فمع اعترافه بحرية الإدارة في توقيع الجزء أو عدم توقيعية علي الموظف فأن مشروعية قرارها تبقي رهنا بأن لا يشوبه غلو أو عدم ملائمة بين الذنب المقترف والعقوبة التأديبية . وفي ذلك قضى مجلس الانضباط العام في حكمه بعدد 122/1979 في 9/5/1979 (من شروط العقوبة المفروضة على الموظف أن تكون ملائمة مع الغايات المستهدفة منها)([188]) واستمر المجلس على نهجه هذا بعد صدور قانون تعديل قانون مجلس شورى الدولة رقم 106 لسنة 1989 وأصدر قرارات عديدة تشير إشارة واضحة إلى بسط المجلس رقابته على التناسب ومنها قراره الذي جاء فيه (وحيث لم يسبق للمعترضة ان عوقبت خلال السنة ولخدمتها الطويلة, فتكون عقوبة العزل شديدة ولا تتناسب مع الفعل, قررنا تخفيف العقوبة من العزل الى التوبيخ)([189]),

المبحث الخامس

عيب إساءة استعمل السلطة أو الانحراف بها

السلطة التي تتمتع بها الإدارة ليست غاية في ذاتها أنما هي وسيلة لتحقق الغاية المتمثلة بالمصلحة العامة للمجتمع، فإذا انحرفت الإدارة في استعمال هذه السلطة بإصدار القرارات لتحقق أهداف تتعارض مع المصلحة العامة فأن قرارها يكون مشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها ويعد هذا العيب من أسباب الطعن بالإلغاء التي ترد على القرار الإداري، ونتأول في هذا الجزء من الدراسة التعريف بهذا العيب وصورة ورقابة القضاء الإداري بشأنه .

المطلب الأول: تعريف عيب إساءة استعمال السلطة

يكون القرار الإداري معيبا بعيب إساءة استعمال السلطة إذا استعمل رجل الإدارة صلاحياته لتحقق غاية غير تلك التي حددها القانون ويتصل هذا العيب بنية مصدر القرار وبواعثه، لذلك يقترن هذا العيب بالسلطة التقديرية للإدارة ولا يثار إذا كانت سلطة الإدارة مقيدة بحدود معينة.

وقد حظي هذا العيب بأهمية كبيرة في القضاء الإداري في فرنسا ومصر والأردن على السواء ألا أن أهميته تضاءلت لأنه يتصل بالبواعث النفسية الخفية لجهة الإدارة، وإثباته يتطلب أن يبحث القضاء في وجود هذه البواعث وهو غاية بعيدة المنال.

لذلك أضفي القضاء علي هذا العيب الصفة الاحتياطية فلا يبحث في وجوده طالما أن هناك عيب أخر شاب القرار الإداري مثل عيب عدم الاختصاص أو عيب الشكل أو مخالفة القانون . ([190])

وإذا كان عيب الانحراف بالسلطة عيب قصدي أو عمدي يتعلق بنية مصدر القرار الذي غالبا ما يكون سيئ النية يعلم أنه سعي إلى غاية بعيدة عن المصلحة العامة أو غير تلك التي حددها القانون فأنه قد يحصل أن لا يقصد مصدر القرار الابتعاد عن المصلحة العامة ألا أنه يخرج على قاعدة تخصيص الأهداف فيكون القرار مشوبا بعيب الانحراف أيضاً.

المطلب الثاني: صور إساءة استعمال السلطة

مثلما هو الحال في سائر عيوب القرار الإداري يتخذ عيب الانحراف في استعمال السلطة صورا عده نتناولها تباعاً .

أولاً- البعد عن المصلحة العامة:

القانون لم يعط الإدارة السلطات والامتيازات ألا باعتبارها وسائل تساعدها علي تحقيق الغاية الأساسية التي تسعى إليها وهي المصلحة العامة . ([191])

وإذا ما حادت الإدارة عن هذا الهدف لتحقيق مصالح شخصية لا تمت للمصلحة العامة بصلة كمحاباة الغير أو تحقيق غرض سياسي أو استخدام السلطة بقصد الانتقام فإن قراراتها تكون معيبة بعيب الانحراف بالسلطة .

ومن الجدير بالذكر في هذا المجال انه لا يكفي في هذا الصدد أن يتحقق نفع لأحد الأشخاص لتحقيق عيب الانحراف فإذا كان النفع أحد النتائج على القرار وليس هو غايته فالقرار ليس معيباً بعيب الانحراف، وتتحقق هذه الصورة في الانحراف في حالات عديدة كالقرار الذي يصدر ببواعث سياسية أو تحدياً لحكم قضائي أو تحايل عليه أو بدافع الانتقام([192]).

ثانياً- مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف:

على الرغم من أن الإدارة تستهدف تحقيق المصلحة العامة دائماً فقد يحدد المشرع للإدارة هدفاً خاصاً يجب أن تسعى قراراتها لتحقيقه وإذا ما خالفت هذا الهدف فإن قرارها يكون معيباً بإساءة استعمال السلطة ولو تذرعت الإدارة بأنها قد قصدت تحقيق المصلحة العامة، وهذا ما يعرف بمبدأ تخصيص الأهداف ومثال ذلك قرارات الضبط الإداري التي حدد لها القانون أهدافاً ثلاثة لا يجوز للإدارة مخالفتها وهي المحافظة على الأمن العام والسكينة العامة والصحة العامة، فإذا خالفت الإدارة هذه الأهداف في قرار الضبط الإداري فإن قراراها هذا يكون مشوباً بعيب الانحراف بالسلطة وجديراً بالإلغاء .

ثالثاً- إساءة استعمال الإجراءات:

تحصل هذه الحالة من الانحراف عندما تستبدل الإدارة الإجراءات الإدارية اللازمة لإصدار قرار معين بإجراءات أخرى لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه، وتلجأ الإدارة إلى هذا الأسلوب أما لأنها تعتقد أن الإجراء الذي اتبعته لا يمض لتحقيق أهدافها أو أنها سعت إلى التهرب من الإجراءات المطولة أو الشكليات المعقدة .

وأياً كانت التبريرات فإن الإدارة تكون قد خالفت الإجراءات التي حددها القانون ويكون تصرفها هذا مشوباً بعيب إساءة السلطة في صورة الانحراف بالإجراءات .

ومثال ذلك أن تلجأ الإدارة إلى الاستيلاء المؤقت على العقارات بدلاً من سيرها في طريق إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة تفادياً لطول إجراءات نزع الملكية، أو أن تقرر الإدارة انتداب موظف وهي تستهدف في الحقيقة معاقبته فتلجأ إلى قرارالانتداب لتجريده من ضمانات التأديب .

المطلب الثالث: إثبات عيب إساءة استعمال السلطة

الأصل في عيب الانحراف بالسلطة أن يقع عبء إثباته على عاتق من يدعيه فإن عجز عن ذلك خسر دعواه ولا يجوز للمحكمة أن تتصدى لهذا العيب من تلقاء نفسها، لا سيما وأن القرارات الإدارية تتمتع بقرينة المشروعية وعلى من يدعي مخالفتها للمشروعية إثبات ذلك .

وبالنظر لصعوبة موقف المدعي وعجزه في أحيان كثيرة عن إثبات هذا الانحراف ما دام يتعلق بالنواحي النفسية لمصدر القرار، فقد درج القضاء الإداري على أنه إذا كان نص القرار أو ما تضمنه ملف الدعوى من أوراق ومستندات تؤدي إلى إثبات الإساءة أو الانحراف بالسلطة فإنه يجوز للقاضي أن يحكم من تلقاء نفسه بإلغاء القرار دون أن يحمل طالب الإلغاء إقامة الدليل على وقوع الانحراف .

كذلك استقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي والمصري على قبول الدليل المستمد بكل طرق الإثبات أو الدلالة من مجرد قراءة القرار أو أسبابه التي بني عليها أو من طريقة إصدار القرار وتنفيذه والظروف التي أحاطت به لإثبات عيب الانحراف، وليس في القضاء الاداري العراقي ما يخالف ذلك .

ويمكن للقضاء أن يستدل على وجود الانحراف من الظروف المحيطة بالقرار وتوقيت وطريقة إصداره وتنفيذه، كما يجوز استدعاء الخصوم لسؤالهم عن الوقائع المحيطة باتخاذ القرار للوقوف على أهداف الإدارة وبواعثها إذ أن المهم أن لا يبقى الادعاء بإساءة استعمال السلطة قولاً مرسلاً لا دليل عليه .

الفصل الثالث

إجراءات رفع دعوى الإلغاء والحكم فيها

بينا سابقا شروط قبول دعوى الإلغاء وكذلك أوجه الطعن بالإلغاء أو العيوب التي يمكن أن تشوب القرارات الإدارية وتجعلها محلا للطعن بالإلغاء وندرس فيما يلي إجراءات رفع دعوى الإلغاء ثم نبحث الحكم بالإلغاء وكيفية تنفيذه وذلك في ثلاثة مباحث:

  • المبحث الأول : إجراءات رفع دعوى الإلغاء .
  • المبحث الثاني: الآثار المترتبة على رفع دعوى الإلغاء .
  • المبحث الثالث : أثار الحكم بالإلغاء .

المبحث الأول

إجراءات رفع دعوى الإلغاء

تتميز إجراءات رفع دعوى الإلغاء في العديد من الدول بأنها مستقلة عن إجراءات رفع الدعاوى الأخرى المنصوص عليها في قانون المرافعات وهي بهذا لا تشكل استثناء عن هذه الإجراءات بقدر ما تمثل نظاما مستقلاً وأساسياً لا يعتد فيه القاضي الإداري بضرورة الرجوع إلي قانون المرافعات في حالة عدم وجود النص أو غموضه أنما يستمد قواعده من طبيعة المنازعات الإدارية وضرورات سير المرافق العامة . اما في العراق فأن المشرع لم ينص على اجراءات خاصة لرفع دعوى الالغاء غير تلك المنصوص عليها في قانون المرافعات .فقد ورد في المادة الرابعة / ثانيا/ح من قانون مجلس شورى الدولة المعدل( تسري بشأن الاجراءات التي تتبعها المحكمة فيما لم يرد به نص خاص في هذا القانون , الاحكام المفررة في قانون المرافعات المدنيه واحكام قانون الرسوم العدلية بشأن استيفاء الرسوم عن الطعون المقدمة اليها او عن الطعون في قراراتها لدى الهيئه العامه لمجلس شورى الدولة).

ومن الجدير بالذكر أن النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 قد نص كذلك على أن يطبق قانون المرافعات المدنية إذا لم يرد نص خاص في قانون المحكمة وفي نظامها الداخلي فقد جاء في نص المادة 19 من النظام الداخلي للمحكمة (( تطبق أحكام قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 وقانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 فيما لم يرد نص خاص في قانون المحكمة الاتحادية العليا في هذا النظام ))

المطلب الأول: تحديد الجهة المدعى عليها

بينا أن دعوى الإلغاء عينيه موضوعية ويتم من خلالها اختصام القرار الإداري المطعون فيه إلا أن هذا لا يتعارض من حيث الإجراءات بأن يكون المدعى عليه في دعوى الإلغاء هو جهة الإدارة التي أصدرت القرار المطعون فيه بالإلغاء ويتم اختصام هذه الجهة الإدارية في شخص من يمثلها قانونا ويجب أن تكون هذه الجهة متمتعة بالشخصية المعنوية المستقلة فمن العبث توجيه الخصومة لجهة إدارية ليست لها صفة التقاضي أما إذا لم تكن الجهة الإدارية التي أصدرت القرار متمتعة بالشخصية المعنوية فيتم توجيه الخصومة إلى الوزير المختص على اعتبار أن الجهة التي أصدرت القرار تابعة مركزياً لهذه الوزارة , ومن ثم إذا رفعت دعوى الإلغاء على غير ذي صفة فأنها تكون غير مقبولة وترد شكلاً وعدم قبولها من النظام العام، ويجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ويمكن للإدارة أن تدفع بذلك في أي مرحلة من مراحل الدعوى .

إلا أن أحكام القضاء الإداري قد استقرت على قبول الدعوى في حالة أخطار الجهة الإدارية صاحبة الصفة الأصلية وتقديمها دفاعا فيها فلا محل للحكم بعدم قبول الدعوى رغم أنه قد تم رفعها أصلا على شخص أخر غير ذي صفة . ([193])

كذلك أجاز القضاء تصحيح الدعوى بإعادة توجيهها إلى صاحب الصفة الأصلي على أن يتم ذلك خلال ميعاد رفع الدعوى. ([194])

أما إذا زالت صفة الجهة الإدارية كما لو ألغيت شخصيتها المعنوية فأنه يتم توجيه الخصومة إلى الجهة الإدارية التي نقلت أليها اختصاصاتها وكذلك إذا رفعت الدعوى في مواجهة أكثر من جهة إدارية وزالت صفة بعض هذه الجهات فأن الدعوى تستمر في مواجهة باقي الخصوم .

المطلب الثاني: صحيفة الدعوى

أورد المشرع العراقي في المادة 46 من قانون المرافعات المدنية البيانات الواجب أن تتضمنها صحيفة الدعوى والشروط الواجب توافرها فيها .

أولاً- بيانات صحيفة الدعوى:

حددت المادة السادسة والاربعون من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 البيانات التي يجب أن تحتويها صحيفة الدعوى بكل ما يتعلق بالنزاع

المنظور من قبل المحكمة التي رفعت الدعوى إليها وأن كانت هذه البيانات من البيانات الشكلية وان أي نقص أو غموض فيها , يلزم المدعي بإكماله خلال مدة مناسبة وإلا تبطل الدعوى بقرار من المحكمة إذا كان هذا النقص أو الغموض من شأنه أن يجهل المدعى به أو المدعى عليه أو المحل المختار لغرض التبليغ ويمكن ان نخلص من نص هذه المادة وطبيعة دعوى الالغاء الى البيانات الواجب توافرها في صحيفة الدعوى

1- اسم المحكمة التي تقام الدعوى أمامها .

2- تاريخ تحرير العريضة .

3- اسم المدعي او " الطاعن " وصفته ومحل إقامته سواء أكان الطاعن فرداً أو شخصاً من أشخاص القانون الخاص أو العام، ويجوز أن يقدم مجموعة من الأفراد أو الأشخاص طلباً واحدا في دعوى الإلغاء إذا كان هناك صلة في الموضوع مع بيان المحل الذي يختاره المدعي لغرض التبليغ .

4 -اسم المستدعي ضده " الجهة الإدارية التي يوجه إليها الطعن وصفتها وعنوانها ليتم إعلانها بالصحيفة ومرفقاتها .

5- موضوع الطلب وبياناً بالمستندات الخطية التي يستند إليها المستدعي في إثبات دعواه وقائمة بأسماء الشهود الذين يعتمد على شهاداتهم في ذلك الإثبات .

6- صورة من القرار المطعون فيه أو ملخص واف له إذا كان قد تم تبليغه للمستدعي لكي يكون طلب الإلغاء واضحاً.

7- صوره من التظلم المقدم وتاريخ تقديمه الى الادارة واجابة الادارة علية ان وجدت .

8- توقيع المدعي أو وكيله إذا كان الوكيل مفوضا" بوكالة مصدقه عليه من جهة مختصة . ويجب أن تكون الوكالة المعطاة من المستدعي تخوله صراحة مخاصمة الجهة الإدارية التي أصدرت القرار و إلا فإن الدعوى تكون مستوجبة الرد شكلاً، وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا برد دعوى تقدم بها ممثل رئيس ديوان الوقف السني إضافة لوظيفته لان عريضة الدعوى موقعة من شخص لا صفة قانونية له بتوقيعها فورد في حكمها عدد 14 / اتحادية / 2006 بتاريخ 11/ 10/ 2006 ( لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وجد إن التوقيع المنسوب إلى المدعي في عريضة الدعوى يختلف عن التوقيع المنسوب إليه في الوكالة العامة المرقمة ( 5/4/ 2439) في 9/8/ 2006 الصادرة من رئاسة ديوان الوقف السني / الدائرة القانونية / الموقعة من قبل رئيس الديوان وحيث إن وكيل المدعي أوضح للمحكمة بان السبب يعود إلى إن التوقيع المذيل في عريضة الدعوى المنسوب إلى المدعي موقع من قبل معاون رئيس ديوان الوقف السني (ي.ع) وعليه وحيث إن عريضة الدعوى موقعة من شخص لا صفة قانونية له بتوقيعها فتكون الدعوى مقامة من شخص لا يملك حق إقامتها وتكون خصومته غير موجهة وإذا كانت الخصومة غير موجهة تحكم المحكمة ولو من تلقاء نفسها برد عريضة الدعوى قبل الدخول في أساسها وذلك عملا" بالمادة ( 80/1) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 المعدل لذا قررت المحكمة الحكم برد الدعوى مع تحميل المدعي إضافة لوظيفته كافة مصاريفها ) ([195] )

ثانيا- الاستعانة بمحام:

لم يشترط المشرع العراقي لقبول دعوى الإلغاء توقيعها من محام ذو صلاحية مطلقة غير ان المحكمة الاتحاديه العليا استلزمت الاستعانة بمحام ذو صلاحية مطلقة للطعن امامها لضمان جدية الطعن وموضوعيته وعدم إشغال المحكمة بطعون غير موضوعية.

ثالثاُ- دفع الرسوم القضائية:

اشترط المشرع أخيراً دفع الرسوم القضائية لإقامة دعوى الإلغاء وفي ذلك ورد في المادة الرابعة / ثانيا/ح من قانون مجلس شورى الدولة المعدل( تسري بشأن الاجراءات التي تتبعها المحكمة فيما لم يرد به نص خاص في هذا القانون , الاحكام المقررة في قانون المرافعات المدنيه واحكام قانون الرسوم العدلية بشأن استيفاء الرسوم عن الطعون المقدمة اليها او عن الطعون في قراراتها لدى الهيئه العامه لمجلس شورى الدولة).

كما ان دفع الرسم يعد تاريخا ثابتا يبين وقت استخدام صاحب المصلحة حقه في الطعن وفي ذلك قضت المحكمه الاتحاديه العليا . ( ولما كان دفع الرسم يعتبر مبدأ للطعن بحكم المادة (173/2) من القانون المذكور( قانون المرافعات المدنية المعدل ) . واذ ان المدد المعينة لمراجعة طرق الطعن في القرارات حتمية يترتب على عدم مراعاتها وتجاوزها سقوط الحق في الطعن وتقضي المـحكمة من تلـقاء نفسها برد عريضة الطعن عملاً بحكم المادة (171) من القانون المذكور . وعلــيه ولكون الطعن التمييزي مقدم بعد مضي المدة القانونية قرر رده شكلاً ([196] ) .

المبحث الثاني

الآثار المترتبة على رفع دعوى الإلغاء

إذا وجد القاضي أن الشروط الشكلية متوافرة في رفع دعوى الإلغاء انتقل لفحص القرار الإداري المطعون فيه للحكم بإلغائه أو رفض ذلك .

وأن مجرد رفع الدعوى بطلب إلغاء قرار إداري لا يمكن أن ينال من نفاذ هذا القرار، فالقرار الإداري تصرف قانوني واجب النفاذ متى استكملت شرائط نفاذه من الناحية القانونية ما دام لم يسحب من الإدارة ولم يقضي بإلغائه، بحكم تمتعه بقرينة السلامة والشرعية حتى يثبت العكس بقرار قضائي، والقول بغير ذلك يؤدي إلى شل نشاط الإدارة تماماً لأن معظم نشاطها يصدر في صورة قرارات إدارية ولهذا تتمتع هذه القرارات بقرينة السلامة .

ومن ثم فإن الطعن الإداري بدعوى الإلغاء لا أثر له على نفاذ القرار الإداري غير أنه يجوز استثناءً في بعض التشريعات وقف تنفيذ القرار بأمر القضاء متى توافرت شروط معينة ومع ان المشرع العراقي لم ينص على امكان وقف تنفيذ القرار المطعون فيه , نرى انه ليس في القانون ما يمنع من ذلك في حالة توافر شروط معينه .

المطلب الأول: وقف تنفيذ القرار المطعون فيه

أجاز المشرع المصري للقضاء في المادة 49 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 أن يأمر بوقف تنفيذ القرار الإداري إذا طلب الطاعن ذلك في صحيفة الدعوى ورأت المحكمة أن نتائج التنفيذ قد يتعذر تداركها .

ويتضح من هذا النص أن المشرع يشترط لتلبية وقف التنفيذ ثلاثة شروط :

أولاً- أن يطلب رافع دعوى الإلغاء وقف التنفيذ:

درجت أحكام القضاء الإداري المقارن على ضرورة اتحاد طلبي الإلغاء ووقف التنفيذ في صحيفة الدعوى، ويترتب على إغفال هذا الشرط الشكلي رد طلب وقف التنفيذ وعدم قبوله والحكمة من ذلك أن وقف التنفيذ طلب متفرع عن طلب الإلغاء وتمهيداً له، كما أن القرار المطعون فيه يتمتع بالصفة التنفيذية اعتباراً من هذا التاريخ، كما أن الجمع بين طلب وقف التنفيذ وطلب الإلغاء يحقق اتحاد بدء ميعاد الطعن بالقرار إلغاءً ووقفاً لغرض تفادي الاختلاف والتفاوت في حساب هذا الميعاد " . ([197])

ثانياً- شرط الاستعجال:

ويقصد بهذا الشرط أن تنفيذ القرار يقترن باحتمال وقوع نتائج لا يمكن تداركها فيما لو انتظر الأمر لحين الفصل في موضوع دعوى الإلغاء، لذلك منح المشرع القضاء سلطة وقف تنفيذ القرار المطعون فيه إذا انطوى تنفيذ القرار على خطورة تؤدي إلى نتائج يصعب تلافيها، خاصة وأن إجراءات دعوى الإلغاء قد تستغرق وقتاً طويلاً حتى الفصل في موضوعها بالقبول أو الرفض، على أنه يتعين إلا يخلق الطاعن حالة الاستعجال هذه أو يساهم في خلقها بسبب تقاعسه أو إهماله.

وحالة الاستعجال هذه هي حالة موضوعية تستظهرها المحكمة من وقائع الدعوى وظروفها مثال ذلك قرار حرمان الطالب من أداء الامتحان، وصدور قرار يمنع مريض من السفر إلى الخارج لغرض العلاج أو صدور قرار بهدم منزل أثري.([198])

كما تعد القرارات المتضمنة تقييد الحرية الشخصية من أبرز صور الاستعجال لما يترتب على تنفيذها من نتائج يتعذر تداركها . ([199])

ثالثاً- شرط الجدية:

إن سلطة وقف التنفيذ مشتقة من سلطة الإلغاء وفرع منها وبالتالي لابد لقاضي الموضوع أن يتصدى لمشروعية القرار الإداري عند نظره طلب وقف التنفيذ، كما يتصدى لمشروعيته عند نظره دعوى الإلغاء، فيكون عقيدة مبدئيه عن مشروعية القرار الإداري لكي يصدر قراره في موضوع الدعوى، فقد يصدر القاضي حكمه بوقف التنفيذ، يستتبعه حكم آخر في موضوع الدعوى يرفض دعوى الإلغاء .

وبذلك فإن الجدية التي يقوم عليها طلب وقف التنفيذ تعنى فحص القاضي بصورة أولية لمشروعية القرار الإداري، فإذا وجد أن القرار الإداري حسب الظاهر قد شابه عيب ما فأنه يصدر قراره بوقف التنفيذ، وبمعنى آخر فأن العقيدة التي تكونها المحكمة عن طلب وقف التنفيذ هي عقيدة أولية مبنية على أساس أرجحية إصدار قرارها بالإلغاء عند بحث موضوع دعوى الإلغاء .

ويمكن أن تستظهر المحكمة جدية الطلب بوقف التنفيذ من خلال فحصها الأولى لمشروعية القرار الإداري ومن خلال قرائن معينة تفيد ذلك كضئالة المستندات وكونها غير منتجة تعطي انطباعاً بعدم جدوى وقف التنفيذ، كما أن تقاعس الإدارة عن إبداء دفاعها في الدعوى أو ذكر أسباب القرار يكون مبرراً للمحكمة في إصدار قرار وقف التنفيذ . ([200])

المطلب الثاني: حجية الحكم بوقف التنفيذ وتنفيذه

إذا اجتمعت في طلب وقف التنفيذ الشروط السابقة يجوز للقضاء الإداري أن يأمر بوقف تنفيذ القرار الإداري المطعون فيه، ونبين فيما يلي حجية الحكم الصادر بوقف التنفيذ وتنفيذه .

أولاً- حجية الحكم الصادر بوقف التنفيذ:

الفصل في الشق المستعجل من دعوى الإلغاء وهو طلب وقف التنفيذ، سابقاً على الفصل في موضوع دعوى الإلغاء لذلك فإن الحكم الصادر في الشق المستعجل هو حكماً وقتياً لصدوره في مسألة مستعجلة، وكما هو شأن جميع الأحكام المستعجلة، فأنه لا يقيد محكمة الموضوع عند فصلها في دعوى الإلغاء، فقد تقضي المحكمة بوقف التنفيذ ورغم ذلك تقضي في موضوع الدعوى برفض دعوى الإلغاء والعكس صحيح .

غير انه حكم قطعي فيما فصل فيه، من وقف التنفيذ أو عدمه أي أن مقومات الأحكام وخصائصها متوافرة فيه وقد استقرت أحكام القضاء الإداري على تمتع الحكم الصادر بوقف التنفيذ بخاصيتي التأقيت والقطعية . ([201])

وفي ذلك قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق في حكمها عدد 3/اتحادية/تمييز/2005 الخاص بطعن صاحب المصلحة بقرارمحكمة القضاء الاداري برفض طلب وقف الاجراءات المتعلقة بتنفيذ قرار اداري :ان القرار المميز من الاوامر على العرائض وهي من القضاء الولائي المنصوص علية في المادة (151)من قانون المرافعات المدنية المعدل وهي غير قابلة للطعن فيها تمييزا عملا باحكام المادة (153/1)من القانون المذكور اذ يتم التظلم منها لدى المحكمة التي اصدرتها وتفصل المحكمة في التظلم وقرارها عملا بحكم الفقرة (3) من المادة(153) .[202]

ولا تقتصر حجية الحكم الصادر بوقف التنفيذ على موضوع ما فصل فيه من وقف التنفيذ أو رفضه، بل تشمل تلك الحجية المسائل الفرعية السابقة على الفصل في موضوع دعوى الإلغاء كالدفع بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى أو بعدم قبولها أصلاً لرفعها بعد الميعاد أو لأن القرار المطعون فيه ليس نهائياً .

ثانياً- تنفيذ الحكم المستعجل بوقف التنفيذ:

يؤدي الحكم بوقف التنفيذ إلى إعادة الأمور بصورة مؤقتة إلى ما كانت عليه قبل صدور القرار الإداري المطعون فيه، والسبب في تأقيت الحكم المستعجل هو لارتباطه بمصير دعوى الإلغاء فإن توصلت المحكمة عند فصلها في الموضوع إلى رفض الدعوى فأن آثار الحكم بوقف التنفيذ تنتهي وتزول قوتها، وأن توصلت إلى إلغاء القرار الإداري فأن آثار الحكم بوقف التنفيذ تمتد وتتصل بآثار الحكم بالإلغاء، وقد لا يختلف تنفيذ الحكم بوقف التنفيذ عن تنفيذ الحكم بالإلغاء، إذ يتعين على جهة الإدارة في الحالتين اتخاذ الإجراءات الإيجابية لوضعها موضع التنفيذ .

على أن الحكم بوقف التنفيذ قد يؤدي من الناحية العلمية إلى أن يصبح الفصل في موضوع الدعوى غير ذي جدوى، لأن الغاية من المطالبة بالإلغاء قد يتوصل إليها الطاعن بحصوله على الحكم بوقف التنفيذ، ويصبح عندها الحكم بالإلغاء غير ذي فائدة من الناحية العلمية، عندها تقضي المحكمة بإنهاء الخصومة في الدعوى، مثال ذلك طلب الطاعن إلغاء قرار منع سفره إلى الخارج وطلبه الحكم بوقف تنفيذه، فأن أصدرت المحكمة حكمها بوقف التنفيذ واستفاد الطاعن من هذا الحكم بأن غادر أرض الوطن، فأن الغاية من إلغاء القرار الإداري قد تحققت بوقف تنفيذه.

المبحث الثالث

آثار الحكم بالإلغاء

بعد أن تستكمل دعوى الإلغاء شرائطها الشكلية أمام المحكمة، قد تحكم بعد قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة، أو على غير ذي صفة، أو لرفعها بعد المعياد أو أن تصرف الإدارة غير مستكمل شرائط القرار الإداري القابل للطعن بالإلغاء.([203])

ثم تتصدى لموضوع الدعوى وتنحصر سلطتها في بحث مشروعية القرار الإداري لتنتهي بالنتيجة أما إلى إلغاء القرار المشوب بأحد العيوب الخمسة المار ذكرها، أو إلى تأكيد مشروعية القرار والحكم برفض الدعوى ولا تستطيع المحكمة أن تذهب أبعد من ذلك بأن تصدر أوامر صريحة إلى الإدارة بأداء عمل معين أو الامتناع عن أداءه أو أن تحل نفسها محل الإدارة في إصدار قرارات إدارية مشروعة محل القرارات المعيبة .

على أن تنفيذ الحكم بالإلغاء لابد أن يفضي إلى تكليف الإدارة القيام بعمل أو الامتناع عن أداء عمل، فالحكم الصادر بإلغاء قرار فصل موظف لابد أن يلزم الإدارة بالقيام بعمل معين وهو إعادة الموظف المفصول إلى وظيفته السابقة، والحكم القاضي بإلغاء قرار هدم منزل لابد أن يلزم الإدارة بالامتناع عن تنفيذ قرارها بالهدم . ([204])

ويترتب على الحكم بإلغاء القرار الإداري آثار معينة منها ما يتعلق بحجية الحكم بالإلغاء، ومنها ما يتعلق بتنفيذ حكم الإلغاء .

المطلب الأول: حجية الحكم بالإلغاء

تنطوي حجية الحكم بالإلغاء على دعوى حيازة حكم الإلغاء حجية الشيء المحكوم فيه من ناحية وعلى قوة هذه الحجية وهل أنها حجية مطلقة أو نسبية من ناحية أخرى، وتتصل من ناحية ثالثة بنطاق الإلغاء وهل يتناول القرار الإداري بأكمله أم يتناول الأجزاء المعيبة فقط دون الأجزاء السليمة.

أولاً- الأحكام الصادرة في دعوى الإلغاء تتمتع بقوة الشيء المقضي به:

تحوز الأحكام الصادرة من محكمة العدل العليا في دعوى الإلغاء على حجية الشيء المقضي به كسائر الأحكام القطيعة، وتكون حجة في ما قضت به.([205])

وفي ذلك تنص المادة السابعة/الثانيه/ط من قانون مجلس شورى الدولة المعدل(..... يكون قرار المحكمة غير المطعون فيه وقرار الهيئه العامة لمجلس شورى الدولة الصادر نتيجة الطعن باتا وملزما ).

وبعد ان صار يطعن في قرارات محكمة القضاء الاداري امام المحكمة الاتحادية العليا جاء في المواد 16- 19من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005 انه عند النطق بالحكم أو القرار يجب أن تودع مسودته في اضبارة الدعوى بعد التوقيع عليها , ويلزم أن يكون الحكم والقرار مشتملا" على أسبابه , فأن لم يكن بالإجماع أرفق الرأي المخالف مع أسبابه . والأحكام والقرارات التي تصدرها المحكمة باتة لا تقبل أي طريق من طرق الطعن. ([206])

ويمتد أثر حجية الشيء المقضي به ليشمل الجانب الإجرائي في الدعوى فضلاً عن جانبها الموضوعي، ففيما يتعلق بالإجراءات يمتنع على المحكمة التي أصدرت الحكم في دعوى الإلغاء أن تنظر الدعوى مرة أخرى، إذ استنفذت المحكمة ولايتها بمجرد إصدارها الحكم، ويصبح الحكم قطعياً بمجرد صدوره من المحكمة، وليس للمحكمة الحق في الرجوع عن حكمها، كما ليس لها الحق في تعديله .

أما فيما يتعلق بالجانب الموضوعي، فأن الأحكام الصادرة في دعوى الإلغاء تعد عنواناً للحقيقة، فما تضمنه الحكم يعد قرينة غير قابلة لإثبات العكس، فلا يجوز عرض النزاع مرة أخرى على أي محكمة . مما يستدعي ان تكون الاحكام واضحه لاتقبل التاويل وخالية من الغموض وفي حدود طلبات المدعي . وفي ذلك نقضت المحكمه الاتحاديه العليا في حكم لها قرار لمحكمة القضاء الاداري فورد ( ...كان على المحكمة التقيد بطلبات المدعي الواردة في عريضة الدعوى وعدم الزيادة عليها لان المحكمة مقيدة عند اصدار حكمها بعريضة الدعوى عملاً بمنطوق المادة (45) من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل فضلاً ان المحكمة لم توضح في حكمها ما هية الاجراءات القانونية الواردة في الفقرة الحكمية واذا كانت العبارة المذكورة تشير الى حضور ممثل جمعية بناء مساكن الضباط امام دائرة التسجيل العقاري المختصة لأخذ اقراره بشأن تسجيل القطعة باسم المدعى فان ذلك يعني ان المحكمة علقت حكمها على شرط وهو حضور الممثل عن الجمعية في الدائرة وحيث ان الاحكام التي تصدرها المحاكم يجب ان تكون حاسمة وخالية من الغموض والتردد وغير معلقة على شرط بحيث تكون قابلة للتنفيذ فكان المقتضى ادخال جمعية بناء مساكن الضباط شخصاً ثالث في الدعوى للآستيضاح منها عن صحة صدور الكتاب منها المتضمن تخصيص القطعة موضوعة الدعوى للمدعي وحيث ان الحكم المميز صدر دون مراعات الامور القانونية المتقدمة مما اخل بصحة الحكم المميز لذا قرر نقضه)([207])

ويشترط للتمسك بحجية الحكم وسبق الفصل في الدعوى أن يكون هناك حكماً قضائياً قطعياً وأن تثبت الحجية لمنطوقه دون أسبابه، لأن المنطوق هو الذي يشتمل على قضاء المحكمة الفاصل للنزاع، ويستثنى من ذلك الأسباب المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمنطوق، إذ تكتسب الحجية حالها حال المنطوق، ويشترط للتمسك بالحجية أيضا اتحاد الخصوم والموضوع والسبب . ([208])

ثانياً- الحكم بالإلغاء يتمتع بحجية مطلقة:

الأحكام الصادرة بالإلغاء حجة على الكافة فحكم الإلغاء يسري على جميع سواء كانوا أطرافاً في الدعوى أم لم يكونوا، فيمتنع على من لم يكن طرفاً في الدعوى مخاصمة القرار الإداري الذي قضى بإلغائه، كما يستفيد من آثار الإلغاء من كان طرفاً في دعوى الإلغاء ومن لم يكن طرفاً فيها بحكم إطلاق حجية حكم الإلغاء.

وتعد الحجية المطلقة المقررة للأحكام الصادرة بالإلغاء استثناء من القاعدة العامة المقررة لجميع الأحكام القضائية وهي نسبية حجتها، أي اقتصار آثار الحكم على أطراف الدعوى دون سواهم، والعلة في ذلك ترجع إلى انتماء دعوى الإلغاء إلى طائفة القضاء الموضوعي أو العيني ودعوى الإلغاء في إطاره تخاصم القرار الإداري، فإلغاءه يعني تصحيح اللامشروعية التي وصم بها القرار ومن المنطقي أن يسري هذا التصحيح في مواجهة الكافة .

وتقتصر الحجية المطلقة على الأحكام الصادرة بالإلغاء، ولا تكتسب القرارات الأخرى التي تصدر في دعوى الإلغاء دون سواهم، كما في حالة القرار الصادر برفض دعوى الإلغاء، حيث يستطيع الطاعن أن يجدد دعواه ضد القرار الذي رفضت الدعوى بشأنه إذا تغيرت الظروف والأسباب، ويجوز لغير الطاعن أيضاً أن يطعن في القرار ذاته لأن القرار قد يكون صائباً في حق الطاعن و خاطئاً في حق غيره . ([209])

ثالثاً- الإلغاء الكلي والإلغاء الجزئي:

إذا كان الحكم القضائي بإلغاء القرار الإداري يكتسب حجية مطلقة بمعنى أنه يزيل كل أثر للقرار الإداري في مواجهة الكافة، إلا أن مدى الإلغاء ونطاقه أمر تحدده طلبات الخصوم وما تنتهي إليه المحكمة في قضائها . ([210])

فقد يتناول الحكم بالإلغاء القرار الإداري بأكمله فيزيل آثاره وهو ما يسمى بالإلغاء الكلي، وقد يتناول بعض أجزاء القرار الإداري دون أجزاءه الأخرى فيزيل بعض آثاره وهو ما يسمى بالإلغاء الجزئي، مثال ذلك أن يصدر قرار عميد الكلية باعتماد نتيجة امتحان سنة دراسية ثم يتضح أن هناك خطأ في رصد درجات أحد الطلاب عندئذ يلغى القرار بالنسبة للطالب المذكور ويبقى القرار سليماً في أجزاءه الأخرى.

المطلب الثاني: تنفيذ حكم الإلغاء

يشتمل الحكم بالإلغاء على أسلوب تنفيذه وفق مارسمه القانون وهذا الإلزام القانوني الملقى على عاتق الإدارة بتنفيذ الحكم القضائي بالإلغاء يثير مسؤوليتها المدنية في حالة امتناعها عن التنفيذ فضلاً عن المسؤولية الجنائية للموظف الممتنع، على أن تنفيذ الحكم القاضي بالإلغاء ليس سهلاً ميسوراً في جميع الأحوال بل قد تلاقي تصفية الأوضاع القانوينة التي تمت استناداً إلى القرار الملغي العديد من الصعوبات العملية، والتي تتحول أحياناً إلى استحالة في التنفيذ.

ومن الجدير بالذكر أن الحكم الصادر بالإلغاء لا يرتب آثار آلية بإزالة كافة الآثار القانونية التي خلفها القرار الملغي، و إلا كان ذلك بمثابة حلول المحكمة محل الإدارة في مباشرة اختصاصاتها الإدارية، وإنما يتطلب التنفيذ تدخلاً إيجابياً من الإدارة بإصدار قرار إداري جديد يقضي على آثار القرار الملغي .

ومن ثم فانه إذا ما تقرر إلغاء القرار فانه يوجب على الإدارة الالتزام بإعادة الحال إلى ما كان عليه كما لو لم يصدر القرار الملغي بحيث يترتب على الإدارة التزامان او واجبان أساسيان:

أولاً- الواجب الإيجابي:

يلقى هذا الواجب التزاماً على الإدارة بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل صدور القرار الملغي بإزالة كافة الآثار القانونية والمادية التي ترتبت في ظله بأثر رجعي، كما يلزمها بهدم كافة القرارات والأعمال القانونية التي استندت في صدورها إلى القرار الملغي .

أ- التزام الإدارة بإزالة آثار القرار الملغي:

ومقتضى هذا الالتزام هو تولي الإدارة إزالة كافة الآثار القانونية والمادية التي خلفها القرار الملغي، ويكلفها ذلك إصدار قرار إداري بسحب القرار الملغي إن كان الأخير إيجابياً، مثال ذلك إصدار قرارها بفصل موظف بغير الطريق التأديبي ويحكم القضاء بإلغائه، فتنفيذ حكم القضاء يقتضي منه أن يصدر قراراً إدارياً بسحب القرار الملغي وكأن الموظف لم يغادر الوظيفة أبداً .

أما إذا كان قرار الإدارة سلبياً وحكم القضاء بإلغائه، فإن تنفيذ حكم القضاء يوجب عليها إصدار قرار إيجابي بالموافقة على طلب صاحب الشأن الذي رفضته والذي حكم القضاء بإلغائه، كحالة امتناع الإدارة عن تلبية طلب صاحب الشأن بخصوص الحصول على ترخيص معين، فإن حكم القضاء بإلغاء هذا الرفض يحتم على الإدارة إصدار قرارها بالموافقة على الطلب المرفوض .

وبالإضافة إلى التزام الإدارة بإزالة الآثار القانونية للقرار الملغي تلتزم أيضاً بإزالة الآثار المادية التي خلفها قبل وجوب قيامها بإخلاء العين التي استولت عليها دون وجه حق أو الإفراج عن المواطن المعتقل بقرار غير مشروع.([211])

وبذلك فإن تصفية آثار القرار الملغي يجب أن تكون كاملة وبأثر رجعي بإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل صدوره، وهي نتيجة حتمية لحكم الإلغاء، وهذه النتيجة وأن كان يفرضها المنطق القانوني وتلافي التطبيق في أغلب الحالات، إلا أن تطبيقها في حالات معينة قد لا يجد له سبيلاً أما لتعارضها مع الواقع أو أن التطبيق يفضي إلى نتائج غير مقبولة، فالموظف الذي يلغى قرار تعيينه بحكم قضائي يترتب على الحكم التزام الإدارة بسحب قرار التعيين بأثر رجعي، فإن المنطق القانوني يقضي بأن كل ما قام به الموظف من أعمال وتصرفات قانونية يلحقها البطلان استناداً إلى مبدأ " ما بني على باطل فهو باطل "، فلا شك أن الموظف قد قام بالعديد من الأعمال، منها ما هو تصرفات قانونية في مواجهة الأفراد ومنها ما هو أعمال مادية تثير مسؤولية الإدارة، ولو سايرنا المنطق القانوني لأفضى إلى نتائج غير مقبولة ولأدى إلى فقدان الثقة والاطمئنان بالإدارة العامة التي يتعامل معها الأفراد على أساس من الثقة والطمأنينة التامتين، لذلك نجد مجلس الدولة الفرنسي أورد استثناءً على قاعدة الأثر الرجعي لحكم الإلغاء واعتبر الأعمال التي يباشرها الموظف المخلوع أعمالاً سليمة تنسب للإدارة ولا يلحقها البطلان، وقد أطرد مجلس الدولة الفرنسي في البداية في أحكامه على أن الاستثناء الذي يرد على قاعدة الأثر الرجعي لا يمكن تطبيقه إلا على شؤون الموظفين، أما فيما عدا ذلك فإن تلك القاعدة يجرى تطبيقها بصورة مطلقة . ([212])

وهنالك حالات يكون فيها تطبيق الأثر الرجعي لحكم الإلغاء ضرباً من ضروب الاستحالة، وهي حالة قيام الإدارة بتنفيذ القرار الإداري تنفيذاً كاملاً واستنفاذه الغرض الذي صدر من أجله قبل صدور الحكم القضائي بإلغائه إذ لا يكتسب حينها حكم الإلغاء سوى قيمة نظرية بحتة ولا يجد سبيلاً إلى تطبيقه لتعارضه مع الواقع، كما لو أصدرت الإدارة قرارها بهدم منزل وتم هدمه قبل صدور حكم القضاء بإلغاء القرار .

غير أن مجلس الدولة الفرنسي لا يتردد في السير في دعوى الإلغاء وإصدار حكمه بالإلغاء حتى وأن استحال تنفيذ الحكم احتراماً منه لمبدأ الشرعية ووضع الأمور في نصابها القانوني الصحيح.([213])

لهذا السبب فقد احتاطت التشريعات لهذا الأمر ومنحت الحق لصاحب الشأن في طلب وقف تنفيذ القرار الإداري للحيلولة دون وقوع نتائج يتعذر تداركها بتنفيذ القرار الإداري .

ب- التزام الإدارة بهدم الأعمال القانونية:

قد تصدر الإدارة استناداً إلى القرار المعيب عدة قرارات قبل إلغاءه، مثال ذلك صدور حكم قضائي بإلغاء قرار تعيين موظف كانت الإدارة قد أصدرت بناء عليه عدة قرارات تتعلق بترقية الموظف بالدرجة والوظيفة، فما هو مصير هذه القرارات التي بنيت على القرار الأصلي ؟ للإجابة على هذا السؤال يجب التفريق بين الحالات الآتية :

1- إذا طعن بالقرارات التابعة مع القرار الأصلي في وقت واحد:

فأن القضاء الإداري لا يجد عناء في إلغاء القرار الأصلي والقرارات التي بنيت عليه لعدم مشروعية سندها .

2- إذا طعن بالقرار الأصلي وحده فأن هذا الافتراض يثير عدة احتمالات إذا كان القرار الأصلي والقرارات التي بنيت عليه تمثل وحدة لا تقبل التجزئة، فإن إلغاء القرار الأصلي يؤدي إلى سقوط القرارات التابعة بصورة آلية دون الحاجة إلى الطعن بها بالإلغاء، مثال ذلك : أن يتفق اثنان من الموظفين على أن يحل أحدهما محل الآخر في وظيفة بناءً على موافقة الإدارة، فإن إلغاء قرار أحدهما سيؤدي بالتبعية إلى إلغاء قرار زميله دونما الحاجة إلى الطعن فيه إلغاءً.

  • إذا كان القرار الأصلي هو (السبب الدافع) لإصدار القرار المستند عليه، فإن إلغاء القرار الأصلي يؤدي إلى إلغاء القرار التابع بصورة آلية دون الحاجة إلى الطعن به إلغاءً، مثال ذلك صدور قرار تأديبي بخصم مرتب موظف ثم تبعه قرار آخر بتأجيل علاوته لمدة ستة أشهر استناداً إلى القرار التأديبي، فإن الإلغاء القضائي للقرار الأول يؤدي إلى سقوط القرار التابع دون الحاجة إلى الطعن به إلغاءً أمام القضاء، لأن القرار الأول كان هو السبب الرئيسي لإصدار القرار الثاني . ([214])

- وفي حالة ما إذا كان القرار الأصلي سبباً غير مباشر لصدور القرار التابع، فإن إلغاء القرار الأصلي لا يؤدي إلى إلغاء التابع بصورة آلية، وإنما يكتسب القرار التابع وضعاً قانونياً مستقلاً يتحصن بمضي المدة القانونية، ولكن يجوز الطعن به استناداً إلى سبب مستقل لا يمت بصلة إلى القرار الأصلي . مثال ذلك : لو أصدرت الإدارة قراراً إدارياً ينطوي على عقوبة مقنعة ضد موظف، ثم قدم الموظف طلب استقالته من الخدمة وأحالته على المعاش واستجابت الإدارة إلى طلبه، فالقرار الصادر بإحالته على المعاش سببه المباشر هو الاستقالة وسببه غير مباشر العقوبة المقنعة التي استفزت الموظف وقدم بتأثيرها طلبه بإحالته على المعاش، فلو افترضنا أن الموظف طعن بالقرار التأديبي وصدر حكم قضائي بإلغائه، فإن سقوطه لا يؤدي إلى سقوط قرار الإحالة على المعاش، لأن القرار الأول وهو القرار التأديبي ليس سبباً مباشراً في صدور القرار الثاني وهو الإحالة على المعاش.([215])

3- إلغاء قرار إداري يدخل في عملية قانونية مركبة:

طبقاً لنظرية الأعمال المنفصلة في العقود الإدارية التي أوضحناها سابقاً، يجوز الطعن بالقرارات الإدارية المنفصلة عن العقد الإداري وقد رأينا أن المنازعات المتعلقة بالعقد الإداري ذاته لا تخضع لولاية القضاء الإداري، ويثور هنا الأشكال حول تنفيذ أحكام الإلغاء الصادرة بخصوص القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد الإداري، وما هو تأثير تنفيذ تلك الأحكام على نفاذ العقد ؟ .

من الطبيعي أن الإلغاء القضائي للقرارات الإدارية المنفصلة عن العقد الإداري قبل إبرام العقد سيؤدي إلى الحيلولة دون إبرامه احتراماً لقوة الشيء المقضي به .

أما إذا حصل الإلغاء بعد إبرام العقد، فإنه لا يؤثر على نفاذ العقد، ولكن يمكن لطرفي العقد أن يحتكما إلى قاضي العقد ليتولى إلغاء شروط العقد التي تتعارض مع حكم الإلغاء، أو أن يتفقا على تعديل تلك الشروط بما ينسجم وحكم الإلغاء . ([216])

ولكن الأمر يختلف لو أن من صدر حكم الإلغاء لصالحه ليس طرفاً في العقد بل أجنبي عنه، ولم تكن هنالك مصلحة لطرفي العقد في تعديل شروطه، ففي هذه الحالة لا يستطيع الأجنبي عن العقد إجبار طرفي العقد على تعديله ولا يملك الصفة باللجوء إلى القضاء للحصول على حكم بذلك، وبذلك يبقى حكم الإلغاء نظرياً بحتاً لا يجد حيزاً لتطبيقه، ومع ذلك فإن القضاء الإداري يستمر في النظر بدعوى الإلغاء إذا عرضت أمامه بعد إبرام العقد أعمالاً لمبدأ المشروعية التي يحرص القضاء الإداري على حراستها. ([217])

ثانياً- الواجب السلبي:

يتمثل هذا الواجب في التزام الإدارة بعدم انتهاكها قوة الشيء المقضي به، فعليها أن تمتنع عن تنفيذ القرار الملغي وتتمتع أيضاً عن الاستمرار في تنفيذه أن بدأت به، كما يفرض هذا الواجب على الإدارة أن لا تعيد إصدار القرار الملغي من خلال إصدارها قراراً جديداً تمنح فيه الحياة للقرار الملغي بصورة مباشرة .

1. امتناع الإدارة عن تنفيذ القرار الملغي:

إذا صدر حكم قضائي بإلغاء القرار الإداري فإن أثر الحكم هو إعدام القرار بأثر رجعي وكأنه لم يصدر، ويعد تنفيذها للقرار الملغي عملاً من أعمال العنف ويثير مسئوليتها .

كما أنها إذا بدأت بتنفيذ القرار وصدر حكم القضاء بإلغاء هذا القرار فإن عليها أن تتوقف عن التنفيذ، كما لو صدر قرار إداري بهدم عدة مباني ونفذت الإدارة على بعضها فقط، فإنها يجب أن تكف فوراً عن الاستمرار بالتنفيذ عند صدور الحكم.([218]) ويعد عدم تنفيذ الإدارة لحكم الإلغاء مخالفة لقوة الشيء المقضي به وهي مخالفة قانونية لمبدأ أساس واصل من الأصول العامة الواجبة الاحترام، كما أنه ينطوي على قرار إداري سلبي خاطئ باعتباره قرار إداري بالامتناع عن تنفيذ حكم .

وهذه المخالفة القانونية فضلاً عن إمكان الطعن بها استقلالاً بالإلغاء، تمثل خطأ يستوجب مسائلة الإدارة بالتعويض عن الأضرار التي يمكن أن يكون قد تعرض لها المستفيد من الحكم .

2. امتناع الإدارة عن إعادة القرار الملغي:

أن الالتزام الأساسي الذي يقع على عاتق الإدارة بعد صدور الحكم بالإلغاء هو امتناعها عن تنفيذ القرار الملغي، ويتفرع عنه أن لا تتحايل الإدارة على التخلص منه فتصل إلى نفس النتيجة عن طريق إصدار قرار جديد هو عبارة عن صورة مستترة للقرار الملغي .

وهناك حالة لا تستطيع الإدارة فيها إعادة القرار الملغي وهي حالة ما إذا كان محل القرار الإداري غير مشروع، والمحل هو أثر القرار والأثر لا يوجد إلا في المنطوق، فقرار فصل الموظف محله وأثره هو فصل الموظف وهو منطوقه . مثال ذلك القرار الصادر بإبعاد لاجئ سياسي أثره ومحله هو أبعاد هذا اللاجئ، وهذا المحل مخالف للدستور، فإذا اعترف القضاء الإداري للطاعن بصفة اللاجئ السياسي وألغي القرار فإن الإدارة لا تستطيع أن تقيد هذا الإجراء، أي لا تستطيع إصدار قرار له نفس المنطوق فهي لا تستطيع تسليمه كما تفعل مثلاً مع الجرميين العاديين .

ولكن من ناحية أخرى تستطيع الإدارة أن تقيد إصدار القرار بالمنطوق نفسه، إذا كان البطلان لا يلحق المحل، وإنما يلحق النواحي الأخرى وهي الاختصاص والشكل أو السبب أو الغاية بعد إزالة العيب الذي لحق بالقرار، ويتم ذلك بإصدار القرار من الجهة المختص بإصداره، أو بالشكل الذي يطلبه القانون أو بناءً على سبب صحح.([219])

إلا أن المسألة تدق بالنسبة لعيب إساءة استعمال السلطة، إذ أن رقابة القضاء تكون أشد عند إعادة إصدار القرار الإداري الملغي بعد تصحيح الهدف عند اتخاذه.([220])

[1] - ينظر بخصوص مبدأ المشروعية :-

  • د. سليمان محمد الطماوي – القضاء الإداري – الكتاب الأول – قضاء الإلغاء – دار الفكر العربي – القاهرة – 1996 – ص 35 وما بعدها .
  • د. رأفت فودة – مصادر المشروعية الإدارية ومنحنياتها – دار النهضة العربية – القاهرة – 1995 – ص 9 وما بعدها .
  • د. عبد الغني بسيوني – القضاء الإداري – منشأة المعارف – الإسكندرية – 1996 – ص 11.
  • د. ماجد راغب الحلو – القضاء الإداري – دار المطبوعات الجامعية بالإسكندرية – 1995 – ص 10 وما بعدها.

- Jean Rivero – Droit administrative précis Dalloz، 1970 – P 14 .

- Benot – Le droit administrative francais 1968 – P 77 .

[2] - د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق - ص 25 .

[3] - د. رفعت محمد عبد الوهاب – المصدر السابق – ص 76 .

[4] - د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق – ص 35 .

[5] - د. محمود حافظ – القضاء الإداري – دار النهضة العربية – القاهرة – ص 38 .

[6] - د. سعيد عبد المنعم الحكيم – الرقابة على أعمال الإدارة في الشريعة الإسلامية والنظم المعاصرة – دار الفكر العربي – القاهرة 1976 – ص 71.

[7] - د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق – ص 57.

1- Wade H.W.R Administrative law –oxford –1977- P 630 .

[9] - د. عبد القادر باينه – القضاء الإداري الأسس العامة والتطور التاريخي – دار توبقال للنشر المغرب – 1985 – ص 24 .

[10] - د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق – ص 53 .

[11] - د. صبيح بشير مسكوني – القضاء الإداري – في الجمهورية العربية الليبية – جامعة بنغازي – 1974 – ص 71 .

[12] - ينظر :

  • د. أحمد مدحت على – نظرية الظروف الاستثنائية – القاهرة – 1978 – ص 19 .
  • د. محمود حافظ – المصدر السابق – ص 44 .
  • د. سعيد عبد المنعم الحكيم – المصدر السابق – ص 49 .
  • د. عبد القادر باينه – المصدر السابق – ص 28 .

[13] - د. عبد القادر باينه – المصدر السابق – ص 28 .

1- J.m.Auby – Droit Administratif, Paris 1967، P 55 .

[15] - وفي ذلك ذهب الفقيه هوريو إلى أن أعمال السيادة من مظاهر السياسة القضائية المرنة والحكيمة لمجلس الدولة الفرنسي لمواجهة الأزمات التي كانت تهدد كيانه وكادت تقوض اركانه، فعلى أثر عودة الملكية في فرنسا عام 1814 عزمت الحكومة على إلغاء المجلس المذكور للتخلص من رقابته فلجأ إلى التصالح مع الحكومة بأن تنازل عن بعض سلطاته في الرقابة على طائفة من اعمال الحكومة مقابل الاطمئنان إلى مصيره وضمان بقائه رقيباً على سائر الأعمال الإدارية . ينظر :

  • د . عبد الباقي نعمه عبد الله – نظرية أعمال السيادة في القانون المقارن – مجلة القانون المقارن – 1977- ص 33.

- د. عبد الفتاح ساير داير – نظرية أعمال السيادة – رسالة دكتوراه – القاهرة – 1955 – ص 33 .

1- C.E ler Mai 1822 La Fitte, Rec 371 .

تتعلق هذه القضية بالمطالبة بإيراد مبالغ خصصها نابليون بونابرت للأميرة Borghere حيث رفضت الحكومة صرفها بالاستناد للقانون الصادر في 12 يناير 1816 الذي حرم أعضاء أسرة نابليون من جميع الأموال التي منحت لهم مجاناً .

[17] - ينظر :

  • د. سليمان محمد الطماوي – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 330 .
  • د. محسن خليل – القضاء الإداري ورقابته لأعمال الإدارة – القاهرة – 1968 – ص 131 .

1- C.E .Fevier 1875 – 2-95 G A n 38 edit P 14 .

2- T.C 5 Nov 1880، Marquigny، D 1880 –3-12 .

[20] - د. سليمان محمد الطماوي – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 331 .

[21] - Vedel G. Droit administrative. P.U.F Paris 1954 P 305 .

[22] - د. محمود محمد حافظ – المصدر السابق – ص 123 .

[23] - د. فاروق أحمد خماس، محمد عبد الله الدليمي – الوجيز في النظرية العامة للعقود الإدارية – جامعة الموصل – 1992 – ص 57.

[24] - د. سليمان محمد الطماوي – المصدر السابق – ص 332 .

1- C.E. 2 mars 1962، Rubin de servens .

- C.E 19 Oct 1962، Brocas، Precite .

2- C.E 2 mars 1966, Dame Cramencel.

3- C.E 9 Janu 1952 Geny Rec 79 .

[28] - استقر القضاء الإداري الفرنسي على استثناء التدابير القابلة للانفصال Detachable عن العلاقات الدبلوماسية أو الاتفاقيات الدولية واخضعها لرقابة لقضاء، من قبيل قرارات تسليم المجرمين فقد قرر مجلس الدولة عدم اعتبار طلبات تسليم المجرمين الموجه من الحكومة الفرنسية إلى حكومة أجنبية من أعمال السيادة . ينظر :

- مارسو لون – بروسبير في جي بريان – أحكام المبادئ في القضاء الإداري الفرنسي ترجمة : د. أحمد يسري – منشأة المعارف الإسكندرية – 1991- ص 33 .

1- C. E 22 nov 1957 Myrtoon steam shipco . Rec 632 .

2- C.E 3 nov 1922، Lichiardopoulos، Rec 793 .

[31] - مارسولون – بروسبير في – جي – بريان – المصدر السابق – ص 36.

([32]) أورده محمود خلف حسين، الحماية القانونية للأفراد في مواجهة أعمال الإدارة في العراق، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية القانون، جامعة بغداد، 1986، ص184.

  • [33] - للمزيد ينظر
  • د. محمد الشافعى أبو رأس – التنظيمات السياسية الشعبية – 1974 ص 51
  • د. سامى جمال الدين – القضاء الإداري والرقابة على أعمال الإدارة – دار الجامعة الجديد ص182.
  • ([34])-د. عبد الحميد اسماعيل الانصاري، نحو مفهوم عربي اسلامي للمجتمع المدني، دار الفكر العربي، القاهرة، 2002، ص18.

[35] - د. محسن خليل – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 77.

[36] - ينظر :

  • د. ماجد راغب الحلو – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 63 .
  • د. عبد القادر باينه – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 40 .
  • د. سامي جمال الدين – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 202 .

[37] - د. فاروق أحمد خماس – الرقابة على أعمال الإدارة – المصدر السابق – ص 77 .

[38] - د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق – ص 64.

[39] - د. سامي جمال الدين – المصدر السابق – ص 205 .

[40]- د. مازن ليلو راضي، نظام الامبودسمان أو المفوض البرلماني ضمانه لحقوق الافراد وحرياتهم، مجلة القادسية – جامعة القادسية – المجلد 3 – العدد 2، 1999، العراق، ص249 .

[41]- د. حمدي عبد المنعم، نظام الامبودسمان، مجلة العدالة – ابو ظبي، العدد 23، ص61 .

[42]- د. ليلى تكلا، الامبودسمان، مكتبة الانجلو المصرية، 1991، ص1.

[43]- د. محمد انس قاسم، نظام الامبودسمان السويدي مقارناً بناظر المظالم والمحتسب في الاسلام – مجلة العلوم الادارية – القاهرة، عدد 1 لسنة 1975، ص77 .

[44]-د. محمد انس قاسم، المصدر السابق، ص77 .

[45] - استاذنا الدكتور علي محمد بدير – الوسيط في النظام القانوني الفرنسي لحماية الأفراد مجلة العلوم القانونية، كلية القانون – جامعة بغداد، المجلد 11 ع2، 1996، ص86 .

[46] -د. عبد القادر باينه، المصدر السابق، ص44 .

[47]- د . علي محمد بدير، المصدر السابق، ص96 .

[48]- د. مازن ليلو، المصدر السابق، ص251

[49]- د. عبد القادر باينه، المصدر السابق، ص43 .

[50]- د. حاتم علي لبيب، نظام المفوض البرلماني في اوربا، مجلة مصر المعاصرة 1971، ص9 .

[51]- من النظم المشابهة التي اهتمت بالحفاظ على حقوق الافراد وحرياتهم في التاريخ لاسلامي (نظام الحسبه) القائم على مبدأين هما الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد يمارس هذا النظام المسلم بنفسه كما يملك ولي الامر ان يعين من يتولاه انطلاقاً من قوله تعالى “ ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون” الآيه 104 آل عمران . الا ان ولاية المحتسب تختلف عن النظم السابقة في ان المحتسب لا يفصل الا في الامور الظاهرة من غير ادلة فلا يمارس حق الاستجواب أو سماع الشهود . للمزيد ينظر :. د. سعيد عبد المنعم الحكيم، الرقابة على اعمال الادارة في الشريعة الاسلامية والنظم الوضعيى ص71 . و ابي الحسن الماوردي : الاحكام السلطانية، الطبعة الثانية 1966 .

-[52] H. W. R. Wade، Administrative law، 1967 . P11 .

[53]- ينظر :

  • د. صبيح بشير مسكوني، المصدر السابق، ص81 .
  • د. سامي جمال الدين، المصدر السابق، ص229 .
  • د. محمد عبد الله الحراري، المصدر السابق، ص38 .

[54]- د. ماجد راغب الحلو، المصدر السابق، ص74

[55]-د. سامي جمال الدين، المصدر السابق، ص240 .

[56]-د. عبد القادر باينة، المصدر السابق، ص103 .

-[57]J. Rivero – Droit administratif، 1970، P 178 .

[58]-د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق، ص86 .

[59]-ينظر :

  • د. سامي جمال الدين، المصدر السابق، ص240 .
  • د. صبيح بشير مسكوني، المصدر السابق، ص113 .
  • د. سليمان محمد الطماوي، القضاء الاداري، الكتاب الاول، قضا الالغاء ص 68 .

1- G. Vedel et Delvlov`e، Droit administratif . 1984 P- 642-647

[61]- ينظر :

  • د. سليمان محمد الطماوي، المصدر السابق، ص80 .
  • سامي جمال الدين، المصدر السابق، ص247 .
  • صبيح بشير مسكوني، المصدر السابق، ص116 .
  • د. ماجد راغب الحلو، المصدر السابق ص90 .
  • A. De laubedere، Traite de droit administratif، 1984، P- 455

2- د. عبد الغني السيوي المرجع السابق ص81 - 82

[62]- عرفت مصر عدة محاولات لانشاء مجلس دولة قبل عام 1946 كان اولها عام 1879 عندما اصدر امراً عالياً بانشاء مجلس الدولة لكن لم يكتب له التطبيق وكذلك في الاعوام 1883 و 1939 و 1941 ولم يكتب لها النجاح ايضاً بسبب الاوضاع السياسية في ذلك الوقت .

ينظر :

  • د. عثمان خليل عثمان، مجلس الدولة، الطبعة الرابعة، ص37 .
  • د. سامي جمال الدين، المصدر السابق، ص244 .
  • د. سليمان محمد الطماوي، المصدر السابق، ص89 .

[63]- تنص المادة 172 من القانون رقم 47 لسنة 1972 “ مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة، ويختص بالفصل في المنازعات الادارية، وفي الدعاوى التأديبية ويحدد اختصاصاته الاخرى “ .

[64] - تعديل هذا النص بمقتضى القانون رقم 136 لسنة 1984 . وحيث ان هذا التعديل يشمل المندوبين بعدم القابلية للعزل فقد سحب هذا الحكم على المندوبين المساعدين لنص القانون تسري على المندوبين المساعدين الاحكام الخاصة بالمندوبين .

[65]- تنص المادة (58) من قانون مجلس الدولة المصري رقم 47 لسنة 1972 : “ ولايجوز لاية وزارة أو هيئة عامة أو مصلحة من مصالح الدولة أن تبرم أو تقبل أو تجيز أي عقد أو صلح أو تحكيم أو تنفيذ قرار محكمين في مادة تزيد قيمتها على خمسة الاف جنيه بغير استفتاء الادارة المختصة “ .

[66]- د. محمد العبادي، قضاء الالغاء، الطبعة الاولى، عمان 1995 ص34 .

د. سليمان محمد الطماوي، المصدر السابق، ص136 .

[67]- كما كانت تمارس الهيئة العامة في مجلس شورى الدولة اختصاصات محكمة التمييز المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية, عند النظر في الطعن في القرارات الصادرة من محكمة القضاء الاداري ومجلس الانضباط العام لكن بصدور قانون المحكمة الاتحادية العليا اصبح الاختصاص بنظر الطعون المتعلقة بقرارات من محكمة القضاء الاداري من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا.

[68] - المادة (8) من قانون مجلس شورى الدوله المعدل .

[69] - Plantey (A) – Trate Pratique de la fonction Publique Libairie general de droit de Jurisprudence –1971 – P 19 .

[70] - د. عبد الحميد كمال حشيش – دراسات في الوظيفة العامة في النظام الفرنسي – دار النهضة العربي – القاهرة – 1977 – ص 165 .

[71] - ينظر :

د. محمد فؤاد مهنا – القانون الإداري المصري والمقارن – الجزء الأول – 1958 – ص 89 .

د. ثروت بدوي – مبادئ القانون الإداري – مصر – 1973 – ص 80 .

د . عثمان خليل عثمان – نظرية المرافق العامة – القاهرة – 1958 – ص 245 .

د. توفيق شحاته – مبادئ القانون الإداري – 1955 – ص 384 .

[72]- د. محمد عبد الله الحراري – أصول القانون الإداري الليبي – الجزء الثاني – 1995 – ص 15 .

[73] - اعتاد بعض الدارسين استعمال عبارة الجرائم التاديبية وهذا مما لا تجيزة اللغة الان الوصف يوقع فى التناقض فالجريمة لاتؤدب بل هى مفسدة للاداب ولكن المواخذة عليها هى التى توصف بالتاديبية اما عبارة الجرائم ذات العقوبة التادبية فاستعمال لايخالف القواعد اللغوية ومع ذالك آثرت استعمال عبارة ( الجرائم التادبية ) رغم مخالفتها جرياً على ماذهب اليه اغلب الفقهاء.

[74] - د. مغاوري محمد شاهين – القرار التأديبي وضماناته ورقابته القضائية بن الفاعلية والضمان – مكتبة الأنجلو المصرية – 1986 – ص 205 .

[75] - د. محمد مختار محمد عثمان – الجريمة التأديبية بين القانون الإداري وعلم الإدارة – ط1 – دار الفكر العربي – 1973 – ص 66 .

[76] - تنظر المادة (15/ ثانيا , ثالثا, ثالثا ) من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام المعدل رقم 14 لسنة 1991

[77] - وارد في المادتين ( 52/ثانياً ) و (93) من الدستور ان اختصاصات المحكمة كالأتي:

[ تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي :

أولا:- الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة .

ثانياً:- تفسير نصوص الدستور .

ثالثاً:- الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية , والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الأفراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة .

رابعاً :- الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية , وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية .

خامساً :- الفصل في المنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الأقاليم أو المحافظات .

سادساُ:- الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وينظم ذلك بقانون .

سابعاً:- المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.

ثامناً :-

الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي , والهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم .

الفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للأقاليم , أو المحافظات غير المنتظمة في إقليم .]

[78] - د. محسن خليل – قضاء الإلغاء – دار المطبوعات الجامعية 1998، ص 29 .

[79] - المادة الثالثة من القانون رقم 10 لسنة 1972 .

([80]) د. محمد عبد السلام مخلص – نظرية المصلحة في دعوى الالغاء – دار الفكر العربي – القاهرة 0 1981 ، ص79 .

[81] - د. حمدي ياسين عكاشة، القرار الإداري في قضاء مجلس الدولة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1987، ص 170 .

[82] - د. سامي جمال الدين، الدعوى الإدارية والإجراءات أمام القضاء الإداري، منشأة الإسكندرية، 1990، ص 49 .

[83] - د . ماجد راغب الحلو، المصدر السابق، ص 273 .

[84] - د. شاب توما منصور – القانون الاداري –الكتاب الثاني – الطبعة الاولى 1980 ص 397

[85] - حكم المحكمة القضاء الإداري المصري في الدعوى 263 لسنة 1 ق جلسة 7/1/1948 س 2 ص 222.

[86] - د. محمد كامل ليله، النظم السياسية، الدولة و الحكومة، دار الفكر العربي، 1963، ص 565 .

[87] - د. سليمان محمد الطماوي – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 289 .

1- Andere de Laubader – Traite elementaire de droit administrative T1 –1973- P226.

[89] - للمزيد ينظر : د. محمود محمد حافظ – القرار الإداري – دار النهضة العربية – 1993- ص15 وما بعدها .

[90] - للمزيد ينظر :

- د. ليون دوجي – دروس في القانون العام – ترجمه : د. رشدي خالد – منشورات مركز البحوث القانونية – بغداد 1981 .

[91] - د. صبيح بشير مسكوني – المصدر السابق – ص 296 .

[92] - ينظر : حكم المحكمة الإدارية العليا في 9/4/1977 مجموعة المبادئ ص 2183 وحكم الصادر في 28/1/1978 مجموعة المبادئ ص 2204 .

[93] - حكمها في الدعوى المرقمة 85/2004 والمصدق من المحكمة الانحادية العليا عدد 2/اتحادية/تمييز/2005 غير منشور

[94] - د. رمزي الشاعر – المسؤولية عن أعمال السلطة القضائية – مجلة العلوم القانونية والاقتصادية – س11ع2 يوليو 1969 – ص 7 .

[95] - د. هاشم خالد – مفهوم العمل القضائي في ضوء الفقه وأحكام القضاء – مؤسسة شباب الجامعة – 1990- ص 17 .

1- De laubadere – Traite droit administrptif – OP –Cit – P 223 .

[97] - حكمها رقم 3940 لسنة 7ق في 13/2/1954 المجموعة 1 لسنة 9 بند 101 ص 128 . .

1 -قرار محكمة القضاء الإداري العدد 27/2001 في 2/5/2000 منشور في مجلة العدالة، العدد الأول، 2002، ص92

2-فتوى مجلس شورى الدولة رقم 9 / 2000 في 23/2/2000 المنشورة في مجلة العدالة،العدد الأول ، 2001، ص145

[100]-منشور في الموقع الالكتروني للمحكمة http://iraqijudicature.org/fedraljud.html

[101] - د. محمد فؤاد عبد الباسط، القرار الإداري، دار الفكر الجامعي، بدون سنة طبع، ص 94 .

[102] - عدل عليا 387/2000 مجلة نقابة المحاميين الأعداد الأول والثاني 2002 –ص 117 .

[103] - ينظر : د. ماجد راغب الحلو – نظرية الظاهر في القانون الإداري – مجلة الحقوق والشريعة الكويتية – س 4 ع1ص 58 .

د. زهدي يكن – القانون الإداري – المكتبة العصرية – بيروت – ج2 – ص 386 .

[104] - د. عصمت عبد الله – مبادئ ونظريات القانون الإداري – دار النهضة العربية – القاهرة -1998- ص 22 .

[105] - د. محمد سعيد حسين أمين – مبادئ القانون الإداري – دار الثقافة الجامعية – 1997 – ص 521 .

[106] - F.Benoit – Le Droit Administratif Frncais , Dalloz , 1968 , P 577 .

[107] - Marcel Waline – Traite de droit Administratif 1963 , P 452 .

[108] - Auby et Drago – Traite de contentieux Administratif – 1963 , T 11 , P 460 .

([109]) د. حمدي ياسين عكاشة – القرار الاداري في قضاء مجلس الدولة – منشأة المعارف 1987 ، ص25.

([110]) د. محمد فؤاد عبد الباسط – المصدر السابق – ص25 .

([111]) De laubader – Trait’e element de droit administratif P- 253 .

وفي هذا المعنى قضت المحكمة الادارية العليا في مصر (( القرارات التي تصدرها مجالس تأديب العاملين بهيئة النقل العام بالقاهرة هي مجرد اعمال تحضيرية تخضع لتصديق السلطة الرئاسية ، وليس لها منزلة الاحكام التأديبية التي يجوز الطعن فيها مباشرة امام المحكمة الادارية العليا وان القرار الصادر بالتصديق على قرار مجلس التأديب هو القرار الاداري النهائي الذي يرد عليه الطعن)) حكمها في جلسة 22 يناير 1972 القضية 357 السنة 13 ق المجموعة ، ص156 .

([112]) حرص المشرع المصري على النص على ان تكون القرارات الادارية التي تقبل الطعن بالالغاء قرارات نهائية . فقد نصت المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 على شرط النهائية بالنسبة لجميع القرارات الادارية التي يجوز الطعن فيها بالالغاء امام مجلس الدولة في البنود الخاصة بهذه القرارات على النحو الآتي :

  • ثالثاً : الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بالطعن في القرارات الادارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو الترفيه أو يمنح العداوات .
  • خامساً : الطلبات التي يقدمها الافراد او الهيئات بالغاء القرارات الادارية النهائية .
  • سادساً : الطعون في القرارات النهائية الصادرة من الجهات الادارية في المنازعات والضرائب والرسوم وفقاً للقانون الذي ينظم كيفية نظر هذه المنازعات امام مجلس الدولة .
  • ثامناً : الطعون التي ترفع عن القرارات النهائية الصادرة من جهات ادارية لها اختصاص قضائي ، فيما عدا القرارات الصادرة من هيئات التوفيق والتحكيم في منازعات العمل وذلك متى كان مرجع الطعن عدم الاختصاص أو عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو اللوائح ، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها .
  • تاسعاً : الطلبات التي يقدمها الموظفون العموميون بالغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية .

1 - اشار اليه. صالح إبراهيم احمد المتيوتي ، شروط الطعن امام محكمة القضاء الاداري في العراق، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون ، جامعة بغداد ، 1994، ص26 .

2- المصدر نفسة -ص26

([115]) G. Vedel, Droit administratif presses Universite, De France , paris P- 266 .

[116]- ومن أحكام القضاء الإداري بهذا الشأن حكم محكمة القضاء الإداري رقم 12/ قضاء إداري/ 1992 في 13/2/1992 (وان القرارات التي تصدر عن ديوان الرئاسة هي التي تتم بناءً على توجيهات السيد رئيس الجمهورية حسب الاختصاصات الممنوحة له بموجب القانون ، خاصة وان الأمر المشار إليه آنفا قد صدر مخاطباً جهة التنفيذ تحريرياً، عليه وحيث أن اختصاصات مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 المعدل بالقانون رقم 106 لسنة 1989. كما أن هذه المحكمة لا تختص بالقرارات الإدارية التي تتخذ تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجهورية وفقاً لصلاحياته الدستورية تطبيقاً لمنطوق المادة (7) خامساً / ب / وحيث أن القرار المطعون فيه قد صدر عن المدعي عليه تنفيذاً لأمر ديوان الرئاسة فتكون دعوى المدعيين واجبه الرد لعدم اختصاص هذه المحكمة في نظر القرار المطعون فيه لذا قرر بالاتفاق رد دعوى المدعيين).

([117]) قرار محكمة القضاء الإداري المرقم 60/2004 والصادر في 22/9/2004 غير منشور

([118]) د. ماجد راغب الحلو ، مصدر سابق ، ص319 .

[119] - د. عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص 184.

[120] - د. محمد عبد السلام مخلص –نظرية المصلحة في دعوى الإلغاء – المصدر السابق – ص112.

[121] - د. سليمان محمد الطماوي – المصدر السابق – ص 540.

[122] - د. طعيمة الجرف –المصدر السابق – ص 213 .

[123] - ينظر في ذلك :

- د. محمد ماهر أبو العينين – دعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري – دار الكتب القانونية – 1998 –ص 365.

- د. محمد عبد السلام مخلص المصدر السابق – ص 35.

- د. طعيمة الجرف – المصدر السابق – ص 153 .

[124] - محكمة القضاء الإداري المصري بتاريخ 18/1/1955 المجموعة الجزء الثاني - 1023.

[125] - ينظر :

- سليمان محمد الطماوي – المصدر السابق – ص 352.

- د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق – ص 298.

[126] - د. عبد الغني بسيوني المصدر السابق - ص 496 .

[127] - حكم المحكمة الإدارية العليا رقم 1915 بتاريخ 4/4/1987 السنة 31 ق المجموعة السنة الثانية والثلاثون – ص118.

[128] - د. سليمان محمد الطماوي - المصدر السابق - ص 442 .

[129] - ينظر في نفس الرأي – د. محمد العبادي – قضاء الإلغاء مكتبة دار الثقافة – ص 136.

[130] - المادة 106 من القانون المدني العراقي .

[131] - المادة 46 من القانون المدني العراقي .

[132] - المادة 48 من القانون المدني العراقي.

[133]- صالح إبراهيم احمد المتيوتي، شروط الطعن أمام محكمة القضاء الإداري في العراق، مصدر سابق، ص154.

([134])-نص المشرع في مصر في المادة (12) من قانون مجلس الدولة رقم (47) لسنة 1972 اشترطت التظلم من عدد من القرارات المتعلقة بالوظيفة العامة قبل رفع دعوى الإلغاء بصددها.

[135] - د. عصام عبد الوهاب البرزنجي – مجلس شورى الدولة وميلاد القضاء الاداري –مجلة العلوم القانونيه –كلية القانون جامعة بغداد العدد الاول 1990 ص166

[136] - تنظر المادة (15/ ثانيا 9من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام المعدل رقم 14 لسنة 1991

([137]) د. محمد رفعت عبد الوهاب ، د. حسين عثمان محمد عثمان – المصدر السابق – ص67 .

([138]) د. صبيح بشير مسكوني – المصدر السابق ، ص380 .

[139] - القانون الصادر في فرنسا بتاريخ 7/6/1956 والخاص بتحديد مدد رفع الدعاوى أبقى الوضع السابق في ظل الأمر الصادر في 31/7/1945 وحدد مدد التقاضي وجعلها جميعاً شهرين كقاعدة عامة لجميع الدعاوى عدا ما نص عليه صراحة وكذلك فعل المرسوم الصادر في 11/1/1965 .

- Andre de laubadere op – cit، P 557-558 .

[140] - استقر القضاء الإداري في فرنسا و مصر على أن التظلم الإداري يقطع ميعاد دعوى الالغاء, والتظلم الذي يقطع ميعاد الدعوى هو التظلم الإداري الأول ولا قيمة بأية تظلمات لاحقة على التظلم الذي قدم لأول مرة، ولايمكن اعتبار التظلم في العراق قاطعا لميعاد الطعن لانة شرط من شروط قبول الدعوى .

[141] - د. سامي جمال الدين – المنازعات الإدارية – منشأة المعارف الإسكندرية – 1984 – ص199.

[142] - طعن إداري 352 لسنة 23 ق جلسة 3/12/1971 المجموعة – ص 127.

[143] - طعن إداري 1566 لسنة 39 ق جلسة 8/5/1994.

- د. ماهر أبو العينين – المصدر السابق – ص 602.

([144]) قرار مجلس شورى الدولة المرقم 15/إداري/تمييز/2004 الصادر في 12/7/2994 غير منشور

[145] - د. عثمان خليل – المصدر السابق – ص 214 .

[146] - د. عثمان خليل - المصدر السابق – ص 214 .

1- Andre de laubadere Op cit P 560 .

[148] - حكم المحكمة الإدارية العليا طعن إداري رقم 1655 لسنة 2 ق جلسة 14/12/1957 . أشار إليه د. ماهر أبو العينين – المصدر السابق – ص 577 .

[149] - ماجد راغب الحلو ـ المصدر السابق ـ ص 332 .

2- Gean Rivero op cit P 264 .

3- Andre de laubadere Op cit P 586-587 .

1- De Laubadere op .cit، p 266 .

[153] - تنص المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 المصري : " يشترط في طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية ان يكون مرجع الطعن عدم الاختصاص او عيباً في الشكل أو مخالفة القوانين أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة " .

[154] - د. محمد ماهر أبو العينين – المصدر السابق – ص 24 .

د. خالد سمارة الزعبي – القرار الإداري – الطبعة الأولى – عمان 1993 – ص65 .

[155] - ينظر :

- د. محسن خليل – قضاء الإلغاء – دار المطبوعات الجامعية – 1989 – ص72-73 .

- د. مصطفى أبو زيد فهمي – القضاء الإداري ومجلس الدولة، منشأة المعارف، 1979 – ص 411.

- د. سليمان محمد الطماوي – المصدر السابق – ص 290 .

3- Waline، Droit administratnf – op. Cit – p 452 .

[157] - قضت محكمة القضاء الإداري المصري : " أن العمل الإداري لا يفقد صفته ولا يكون معدوماً إلا إذا كان مشوباً بمخالفة جسيمة، ومن صورها أن يصدر القرار من فرد عادي أو أن يصدر القرار من سلطة في شان من اختصاص سلطة أخرى كأن تتولى السلطة التنفيذية عملاً من اعمال السلطة القضائية أو السلطة التشريعية " .

[158] - د. ماهر صالح علاوي ، مفهوم القرار الإداري في أحكام القضاء الإداري في العراق ، مصدر سابق ، ص80

[159] - د. عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص590 .

[160] - د. حنا نده – المصدر السابق – ص 358 .

1 - د- ماجد راغب الحلو- المصدر السابق - ص 371.

2 - د-عبد الغني بسيوني - المصدر السابق - ص 395 .

[163] - قرار مجلس الانضباط العام رقم 17/2003 الإصدار في 1/7/2004 غير منشور.

[164] - ينظر :

- د. سليمان محمد الطماوي – المصدر السابق – ص416 .

- د، مصطفى أبو زيد فهمي – المصدر السابق –ص 479 .

- د. حنا نده – المصدر السابق – ص 375 .

- د. محمد العبادي – المصدر السابق – ص 205 .

([165] )- د. مصطفى ابو زيد فهمي – المصدر السابق – ص 484 .

([166]) اشار اليه ماجد نجم عيدان ، النظام القانوني لدعوى الإلغاء في العراق ، دراسة مقارنة ، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الحقوق ، جامعة النهرين ، 2000 ، ص230 – 231 .

[167] - د. طعيمة الجرف – المصدر السابق – ص272 .

[168] - عدل عليا رقم 50/82 مجلة نقابة المحامين 1982، ص 1490 .

[169] - د. محمد العبادي – المصدر السابق – ص 208 .

1- Bonnard، Precis elementaire de droit administrative p 104 .

[171] - د. مصطفى أبو زيد فهمي – المصدر السابق – ص 425 .

د. عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص 612 .

[172] - ينظر في هذا الرأي :

- د. محمد ماهر أبو العينين – دعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري – الكتاب الثاني – المصدر السابق – ص 139 .

[173] - د. حنا نده – المصدر السابق – ص 380 .

[174] - القضية رقم 323 لسنة 16 القضائية 15 يناير 1982 المجموعة ص 144 .

[175] - حكم محكمة القضاء الإداري المصري في القضية رقم 3884 لسنة 8 قضائية جلسة أول يوليو 1957 المجموعة ص 638 .

[176] - حكم محكمة القضاء الإداري المصري في القضية 1632 لسنة 1 قضائية جلسة 28 أبريل 1957 المجموعة ص 391 .

[177] - ينظر :

- د. سليمان محمد الطماوي – المصدر السابق – ص 688 .

- د. عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص 616 .

[178] - د. محسن خليل – المصدر السابق – ص 469 .

[179] - د. عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص 627 .

[180] - د. محمد حافظ المصدر السابق – ص 41 .

[181] - ينظر :

- د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق – ص 441 .

- د. محمد كامل ليله – الرقابة على أعمال الإدارة – المصدر السابق – ص 1229 .

[182] -اشار اليه خضر عكوبي يوسف ، مصدر سابق ، ص281

1- C .E 20 Janvier 1922 con col C.GRIVET R.D.P 1922 P 82 .

[184] - مجلس الانضباط العام في قرار له بتاريخ 25/ 12/2003 مشار اليه سابقا.

1- C.E 4 Avril 1914، Gomels، 1917، 3-25 Nite Hauriou .

[186] منشور في مجلة العدالة ، العدد الثاني 1999 ، ص109

[187] - عصام عبد الوهاب البرزنجي – السلطة التقديرية للإدارة والرقابة القضائية – 1971 – ص 160 وما بعدها .

(3) قرار مجلس الانضباط العام برقم 122/1979 في 9/5/1979 منشور في مجلة العدالة , العدد 3, السنة 5, 1979, ص33.

(4) قرار مجلس الانضباط العام برقم 207/2004 في 1/7/ 2004 القرار غير منشور.

[190] - ينظر :

- د. ماجد راغب الحلو – المصدر السابق – ص 441 .

- د. عبد الغين بسيوني – المصدر السابق – ص661 .

- د. أحمد الغويري – المصدر السابق – ص 383 . .

[191] - د . عبد الغين بسيوني – المصدر السابق – ص661 .

([192]) د. ماجد راغب الحلو ، مصدر سابق، ص424.

[193] -حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر بتاريخ 1/2/1960 لسنة الخامسة ص 334 .

[194] - حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر بتاريخ 22/11/1958 السنة الرابعة 167

(1) ينظر قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية عدد 14/ اتحادية / بتاريخ 11 / 10 / 2006 على الموقع الالكتروني http//www.iraqijudicature.org/fedraljud.html

1- ينظر قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية عدد 1 / اتحادية/تمييز / 2006 بتاريخ 26/2/2006 على الموقع الالكتروني http//www.iraqijudicature.org/fedraljud.html

[197] - حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر جلسة 7/12/1985 طعن 1003 لسنة 28 ق المجموعة رقم 19 – ص 30 .

[198] - حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر جلسة 15-12-1962 أشار إليه عبد الحكيم فودة – الخصومة الإدارية – دار المطبوعات الجامعية – الإسكندرية – 1996 – ص 358 .

[199] - حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر في 30-6-1951 مجموعة المبادئ التي قررت محكمة القضاء الإداري س 6 – ص 1360 .

[200] - حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر في 7/11/1986 أشار إليه عبد الحكيم فوده – المصدر السابق – ص 405 .

[201] - ينظر في ذلك :

- د. سليمان محمد الطماوي – قضاء الإلغاء – المصدر السابق – ص 883 .

- د. عبد الغني بسيوني – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 690 .

[202] - حكم المحكمه عدد/اتحادية/تمييز/2005 الخاص بالطعن في قرار محكمة القضاء الاداري عدد 16/2005 غير منشور

[203] - د. سليمان محمد الطماوي – قضاء الإلغاء – المصدر السابق – ص 855 .

[204] - د. صبيح بشير مسكوني – المصدر السابق – ص 449 .

[205] - ينظر في تفصيل ذلك : الدكتور عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص 698 .

2- تنظر المواد 16- 19من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم 1 لسنة 2005

[207] - حكمها ذي العدد23 / اتحادية/تمييز / 2006بتاريخ 18/10/2006 http://www.iraqijudicature.org/fedraljud.html

[208] - ينظر في تفصيل ذلك الدكتور طعيمة الجرف – رقابة القضاء على أعمال الإدارة قضاء الإلغاء – القاهرة – 1984 – ص 329 وما بعدها .

[209] - ينظر في تفصيل ذلك :

- د. سليمان محمد الطماوي – قضاء الإلغاء – المصدر السابق – ص 899 .

- د. عبد الغني بسيوين – القضاء الإداري – المصدر السابق – ص 690.

- د. طعيمة الجرف – المصدر السابق – ص 230.

[210] - حكم المحكمة الإدارية العليا في مصر في 7/11/1986 أشار إليه عبد الحكيم فوده – المصدر السابق – ص 405 .

[211]- أنظر تفصيل ذلك :

- د. عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص 704-705 .

- د . طعيمة الجرف – المصدر السابق – ص 358- 359 .

– د . محمد رفعت، ود. حسين عثمان – المصدر السابق، ص 257-260 .

[212]- أنظر تفصيل ذلك :

- د. مصطفى أبو زيد – المصدر السابق – ص 603-605.

- د . صبيح مسكوني – المصدر السابق – ص 391 .

- د . محمد عبد الله الحراري – المصدر السابق، ص 201.

[213]- د. مصطفى أبو زيد – المصدر السابق – ص 603 .

[214]- د. محمد العبادي – قضاء الإلغاء – المصدر السابق – ص 283 .

[215]- د. مصطفى أبو زيد فهمي – المصدر السابق – ص 615 .

[216]- د. عبد الغني بسيوني – المصدر السابق – ص 708 .

[217]- د. مصطفى أبو زيد – المصدر السابق – ص .

[218]- د. طعيمه الجرف – المصدر السابق – ص 364-366 .

[219]- د. سليمان محمد الطماوي – المصدر السابق – ص 903-904

- د. طعيمه الجرف – المصدر السابق – ص 364 .

- د. محمد العبادي، ص 284

[220]- تفصيل ذلك : د. أبو زيد فهمي – المصدر السابق - ص 597-599 .

Publicité
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :